السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

215

مفاتيح الأصول

كون الحصر مفهوما لا منطوقا فمما لا ينبغي أن يقع فيه خلاف للقطع بأنه لا ينطق بالنفي أصلا وقال الأبهري القول بإفادته بالمنطوق ظاهر البطلان وينبغي التنبيه على أمور الأوّل اعلم أن المعرف بلام الجنس إن جعل مبتدأ فهو مقصود على الخبر كما عرفت فيمكن أن يتحقق الخبر بدونه وإن جعل خبرا فهو مقصور على المبتدأ نحو زيد الأمير وعمرو الشجاع وقد نصّ عليه في المطول وأما إن جعل مبتدأ وخبرا نحو الكرم التقوى والناطق الإنسان فقد اختلف فيه فذهب بعض إلى إجماله وإنه يحتمل الأمرين لم يتميز أحدهما عن الآخر وذهب نجم الأئمة إلى أنه يفيد قصر المبتدأ على الخبر ووافقه السّيّد الشريف فقال قصر المبتدأ على الخبر حينئذ لأنّ القصر مبني على قصد الاستغراق وبشموله في جميع الأفراد وذلك بالمبتدإ أنسب إذ القصد فيه إلى الذّات وفي الخبر إلى الصّفة وقيل إن كان أحدهما أعم فهو المقصود سواء قدم أو أخر كقولك الكرم التقوى فإن المقصود قصر الكرم على التقوى ادعاء وإن كان بينهما عموم من وجه فيحال إلى قرائن الأحوال كقولك العلماء الخاشعون إذ قد يقصد تارة قصر العلماء على الخاشعين وتارة عكسه فإن قلت لا يتصور عموم في القصر تحقيقا قلت يجوز أن يكون أحدهما أعم مفهوما وإن تساويا ذاتا وأما دعوى الاتحاد فلا يختلف فيه المقصود سواء حكم باتحاد المبتدأ بالخبر أو بالعكس لكن الأوّل أظهر الثّاني اعلم أن الجنس المقصور قد يكون مطلقا كما في الأمثلة وقد يكون جنسا مخصوصا باعتبار تقييده بوصف أو حال أو ظرف أو مفعول أو غير ذلك نحو زيد هو الرجل الكريم وزيد هو السائر راكبا وزيد هو الوفي حين لا يفي أحد لأحد وزيد هو الواهب ألف قنطار الثالث اعلم أنه إذا توسّط الضمير الفصل بين المبتدأ والخبر المعرف نحو زيد هو العالم لكان الحصر في غاية الظهور وقد صرّح بإفادته الحصر نجم الأئمة كما عن كثير من البيانيين الرّابع اعلم أنه يتحقق القصر في صورة كون اللام للعهد الخارجي لأن العالم في العالم زيد إذا كان يكون قصره قصر القلب وذلك إذا اعتقد المخاطب كونه غير زيد وقصر التّعيين وذلك إذا تردد بين كونه زيدا وعمراً نعم لا يتصور قصر الإفراد لامتناع أن يعتقد كونه عمراً وبكرا مفتاح اعلم أنه اختلف الأصوليون في أن تعليق الحكم على عدد نحو اضربه عشرة أسواط ويطهر خمس غسلات هل يدل على نفيه عن غيره ممّا تقصر عنه أو زاد عليه كما في التعليق بكلمة إن أولا على قولين الأوّل أنه لا يدلّ على نفيه عن غيره مما تقصر عنه أو زاد عليه كما في التعليق بكلمة إن أو لا عليه وهو للعلامة والمحقق والسيّد عميد الدين والشهيد الثاني والآمدي والمحكي عن المرتضى وأبي حنيفة والرازي والبيضاوي بل حكاه السيّد عميد الدّين عن المحققين الثاني أنّه يدل عليه وهو للمحكي عن الشافعي والبلخي واختاره جدي رحمه الله في فوائده للأولين انتفاء الدلالات الثلاث وفيه نظر فإن الظاهر عرفا من اضربه عشرة أسواط ورأيت عشرين رجلا ويستحب لك خمس صلوات ويباح لك أربع زوجات دائمات نفي الحكم فيها عن غير محل النطق كما في التعليق بأن ولذا يحكم بالتخصيص لو قال بعد قوله أكرم العلماء أكرم عشرين عالما ولذا أيضا يكذب من قال رأيت أربعين رجلا وقد رأى خمسين نعم إذا قال لا يجب عليك ضربه خمسة أسواط لا يدل على وجوب ضربه عشرة أسواط وكذا لو قال علي أربعة دراهم لا يدلّ على ثبوت الزائد عليه وبالجملة المقامات الَّتي علق الحكم فيها على العدد مختلفة بحسب العرف فلا يمكن دعوى الكلَّية في منع الدلالة وثبوتها بل اللازم الرجوع إلى العرف في محلّ الشك لا يقال هذا تفصيل في المسألة بما لم يقل أحد فيكون خرقا للإجماع المركب لأنا نقول ذلك غير معلوم نعم لم يظهر هذا التفصيل من أحد وغاية هذا الظن بعدمه وهو لا يصلح لمعارضة القاطع وهو الفرق المعلوم واحتمال النقل بعيد بل مقطوع بعدمه فتأمل وللآخرين وجهان أحدهما الإجماع على عدم وجوب الزيادة على المائة في حدّ الزاني وليس سنده إلا المفهوم وفيه نظر للمنع من انحصار المستند في المفهوم لجواز أن يكون الأصل وثانيهما قول النّبي صلى الله عليه وآله في خبر ولأزيدن على السّبعين عقيب قوله تعالى إن تستغفر لهم سبعين فلن يغفر اللَّه لهم فإنه يدلّ على أنه صلى الله عليه وآله فهم من تعليق عدم المغفرة على السبعين جوازها فيما إذا زاد وفيه نظر أما أولا فلضعف سند الرّواية وإن حكي عن مسلم تصحيحه وقد صرّح إمام الحرمين فيما حكي عنه بأن أهل الحديث لا يصححونها ومع ذلك فالاعتبار شاهد بكذبه فإن النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم لا يستغفر للكفار وقد حكي عليه الاتفاق أيضا وأما ثانيا فلأن الظاهر أن ذكر السّبعين جرى مبالغة في اليأس وقطع الطمع عن الغفران كقولك اشفع أو لا تشفع إن تشفع لهم سبعين مرة فلن أقبل شفاعتك فكيف يجوز للنبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم أن يذكره وأما ثالثا فللمنع من فهمه صلى الله عليه وآله ذلك وقوله صلى الله عليه وآله لأزيدن لا يدلّ عليه بل غايته الدلالة على جواز الزّيادة وهو كما يمكن أن يكون باعتبار فهمه صلى الله عليه وآله من قوله تعالى إن تستغفر الآية ذلك كذا يمكن أن يكون باعتبار الأصل سلمنا