السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

213

مفاتيح الأصول

الخبر على المبتدأ نحو تميميّ أنا وفي الدّار رجل قلت وقد يستشكل في إفادته الحصر وجعله أصلا في مطلق التقديم لأن أهل المعاني قد ذكروا للتقديم فوائد منها إفادة الحصر فتخصيصه من بينها مع عدم شاهد عليه من عرف وغلبة استعماله مشكل إلا أن يجعل قول أهل المعاني شاهدا الثاني ما يحصل من تقديم متعلَّقات الفعل كالمفعول والحال والتميز نحو قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين فإن معناه نخصّك بالعبادة قلت وجعل بعض الحجة في إفادته الحصر الذوق وحكي تفسير الآية الشريفة بما ذكر عن أئمة التفسير وربما حكي عن أبي حيان والحاجبي القول بالمنع من إفادة تقديم المعمول الحصر الثالث تقديم الفاعل المعنوي نحو أنا عرفت ورجل عرف على خلاف في الأخير قلت وحكي عن عبد القاهر أنه قال وقد يقدم المسند إليه ليفيد تخصيصه بالخير إن ولي حرف النّفي نحو ما أنا قلت هذا أي لم أقله مع أنه مقول لغيري ولهذا لم يصح ما أنا قلت هذا ولا غيري ولا ما أنا رأيت أحدا ولا ما أنا ضربت إلا زيدا وإلا أي وإن لم يلي المسند إليه حرف النفي فقد يأتي للتخصيص ردّا على من زعم انفراد غيره به أو زعم مشاركته فيه نحو أنا سعيت في حاجتك وقد يأتي للتقوية به ثم قال وإن بني الفعل على منكر أفاد تخصيص الجنس أو الواحد به نحو رجل جاءني أي لا امرأة ولا رجلان قيل ووافقه السّكاكي على ذلك أي على أن تقديم المسند إليه يفيد التخصيص لكن خالفه في شرائط وتفاصيل ومذهب السّكاكي أنه إن كان نكرة فهو للتخصيص إن لم يمنع مانع وإن كان معرفة فإن كان مظهرا فليس إلا للتقوى وإن كان مضمرا فإن قدر كونه في الأصل مؤخرا فهو للتخصيص وإلا فللتقوى ومنها تعريف المبتدأ سواء كان صفة أو اسم جنس مع كون الخبر أخص منه بحسب المفهوم سواء كان علما أو لا نحو العالم زيد والرجل عمرو والبيع حلال والماء طاهر والكرم في العرب والأئمة من قريش وصديقي زيد فإنه يفيد حصر المبتدأ في خبره بمعنى أنه لا يوجد منفكا عن خبره والكلام هنا في مقامين الأول في إفادته الحصر في الجملة وقد اختلف فيه الأصوليون على أقوال الأول أنه يفيد الحصر وهو للعلامة والشهيد والمحكي من الهراشي والغزالي وجماعة من الفقهاء وقد ادعى التفتازاني أنه مما لا خلاف فيه بين أهل المعاني الثاني أنه مما لا يفيده وهو للآمدي والمحكي عن السيّد والحنفية والقاضي أبي بكر وجماعة من المتكلمين الثالث أنه لا يفيد الحصر إن وقع في غير الشرع والأقرب الأول لنا أن التعريف في المبتدأ ليس للعهد الخارجي ولا الذهني لعدم معهود أصلا فانحصر أن يكون للنجس كما هو الأصل فيه إذا كان مفردا أو للعموم كما هو الأصل فيه إذا كان جمعا وعلى أي تقدير يتم المطلوب أما على الثاني فظاهر لأن قولك الماء طاهر في قوة أن يقال كلّ ماء طاهر ولا شك في إفادة الثاني حصر المبتدأ في خبره لأن الخبر عن المبتدأ خبر عن جميع جزئياته بلا إشكال فكذلك ما هو مثله وكذلك الحال في قولك الأئمة من قريش فإنه بمنزلة كل إمام من قريش وكذلك الحال في قولك العالم زيد وصديقي خالد فإنهما بمنزلة كل عالم زيد وكلّ صديقي خالد على طريقة أنت الرجل كلّ الرّجل وأما على الأول فلأن مقتضى الحمل اتحاد الموضوع وهو المبتدأ مع المحمول وهو الخبر في الوجود الخارجي فمعنى قولك الماء طاهر والعالم زيد وصديقي خالد أن طبيعة الماء والذات المتصفة بالعلم والصّداقة هي طاهر وزيد وخالد في الوجود الخارجي ويشهد بالمختار وجوه الأول استعمال الفصحاء على ما نصّ عليه التفتازاني الثاني التبادر عرفا الثالث تكذيب المخبر لو تبين تحقق المبتدأ في غير ما أخبر به عنه فإنه لو قال العالم زيد وصديقي خالد والأئمة من قريش والماء طاهر وتبين أن عمراً عالم وبكرا صديق وغير القرشي إمام وفردا من أفراد الماء نجس لكان كاذبا بلا شبهة إذا لم يكن هناك قرينة الحصر الادعائي ولذلك صرّحوا بأنه لا يجوز الإخبار بالأخصّ عن الأعم الرابع أن أهل اللَّسان إذا أراد والمبالغة في كون زيد عالما قالوا العالم زيد ومقصودهم بيان أن عالما غير زيد لا يعتد به ولا يتم هذا إلا بعد كون أصل القضية دالا على الحصر وأصلا فيه فإن استعمال اللَّفظ في الحصر الادّعائي فرع كونه ظاهرا بحسب الإطلاق في الحقيقي فتدبر الخامس أن التتبع في الكتب يكشف عن ذلك فإنهم يجعلون قوله الماء طاهر والبيع حلال بمنزلة كلّ ماء طاهر وكلّ بيع حلال ويجعلونهما دليلا على أصالة طهارة الماء وحلَّية البيع ويتمسكون بهما في دفع من يدعي نجاسة ماء وحرمة بيع من غير ظهور دليل على دعواه وهذه سجيّتهم وطريقتهم من غير نكير لا يقال لو كان ما ذكر مفيدا للحصر للزم التناقض في قولك العالم زيد وعمرو بالحل بما في الإحكام فإنه قال بعد الإشارة إلى الاعتراض وليس بحق وإن للخصم أن يقول إنما يكون ذلك متناقضا بشرط أن يتجرّد قوله الأوّل عما يغيّره وأما إذا عطف عليه وعمرو صار الكلّ كالجملة الواحدة فكان قول العالم زيد مع الانفراد مغايرا في دلالته لقوله العالم زيد وعمرو وهذا كما لو قال له على عشرة ثم بعد حين قال إلا خمسة فإنه لا يقبل لما فيه من مناقضة لفظه