السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
209
مفاتيح الأصول
فقال بلا فصل أكرمهم إن كانوا قائمين وحملنا ذلك على البداء من القائل ولو قاله بعد مدة حملناه على النسخ ومنها أنه لو حلف أن لا يجوز قتل مسلم في حال من الأحوال فقال لا تقتل المسلم إن كان نائما لكان مخالفا لحلفه لدلالة ما قاله أخيرا على تجويز قتله في غير حال النّوم ومنها أن الشرط بمعنى انتفاء مشروطه عند انتفائه معنى شائع متداول بين أهل العرف والغالب تعبيرهم عنه بالتّعليق بكلمة إن وما يضاهيها دون لفظ الشّرط وليس ذلك إلا لظهوره فيه ومنها أنه لا فرق بين أن يقال أكرم زيدا إن جاءك وبين أن يقال وجوب الإكرام متوقف على المجيء أو معلق عليه ولا ريب أن المتبادر من لفظ التوقف والتعليق ذلك فكذا ما هو مثله ومنها مصير أكثر المحققين إلى دلالته على ذلك وتصريح جملة منهم بأنه جار مجرى لفظ الشرط ويبعد خطاؤهم مع ممارستهم باللَّغة ولا يعارضه مصير جمع إلى العدم لأن الأقل لا يعارض الأكثر ومنها ما حكي عن النحاة من تصريحهم بأن كلمة إن للشرط وليس ذلك إلا باعتبار دلالتها بالمفهوم والمناقشة في دلالة لفظ الشّرط على ذلك باعتبار استعماله في العلامة وما يلزم منه الانتفاء بالانتفاء والأصل أن يكون للقدر المشترك واهية للمنع من استعمال لفظ الشرط في العلامة وإنما المستعمل فيها لفظ شرط بفتح الراء لا بسكونها سلمنا ولكن صيرورة الشرط حقيقة في الثاني في العرف مما لا ريب فيه لتبادره وصحة السّلب عن غيره مضافا إلى أنّ الأصوليّين عرّفوه بتعريفات وكلها راجعة إلى ذلك ولا يمكن دعوى أنها اصطلاحهم لأن الأصل عدم النقل وعليه يلزم أن يكون عرف النحاة كذلك ويلزم أيضا أن يكون ما ذكروه هو الموافق للَّغة وعلى هذا لا يقدح استعمال لفظه فيما لم يرد منه ذلك فإنه مجاز ويبطل ما قاله السّيّد من أن تأثير الشرط هو تعليق الحكم به وليس يمتنع أن يخلفه وينوب منابه شرط آخر يجري مجراه ولا يخرج عن أن يكون شرطا ألا ترى أن قوله تعالى فاستشهدوا شهيدين من رجالكم يمنع من قبول الشاهد الواحد حتى ينضمّ إليه آخر فانضمام الثاني إلى الأول شرط في القبول ثم يعلم بدليل أن ضمّ امرأتين إلى الشاهد الأول يقوم مقام الثاني ثم يعلم بدليل أن ضمّ اليمين إلى الواحد يقوم مقامه أيضا فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن يحصى لأن الشرط على ما ذكرنا يكون مفهوم أحدهما معا فإن قلت ما حكي عن النحاة يقتضي بظاهره كون كلمة إن موضوعة للشرط فلا بد أن لا يستفاد من التعليق بها إلا الانتفاء عند الانتفاء دون الثبوت عند الثبوت كما هو الشأن في لفظ الشرط وهو مخالف لما ادعيتم من الدلالة على دلالتها على الثبوت عند الثبوت فإذن يدور الأمر في كلامهم بين حمل الشرط على معناه المجازي وهو العلامة وحمل قولهم كلمة إن للشرط على أن المراد أنه يستفاد منها الشّرطية بالنظر إلى المفهوم لا أنها موضوعة له وحيث لا مرجح في البين فوجب التوقف ومعه يسقط الاستشهاد بكلامهم قلت لا نسلم عدم المرجح فإن الحمل الأخير أولى لأظهرية لفظ الشرط في معناه من قولهم كلمة إن حرف الشرط في الدلالة على الوضع له فتأمل فإن قلت كيف يمكن دعوى الدلالة الالتزامية مع أن شرطها اللزوم أما العقلي أو العرفي وهما منتفيان كما سبق إليه الإشارة قلنا نمنع من انتفاء اللزوم وندعي أنه يستفاد من المنطوق معنى يلزم منه ذلك ولا ندعي التلازم بين نفس وجوب إكرام زيد بعد مجيئه ونفيه عند العدم مع قطع النظر عن التعليق بكلمة إن ففي الحقيقة يرجع النزاع في المسألة إلى معنى المنطوق فإن المعظم يذهبون إلى أن معناه ما يلزم منه ذلك والخصم يدعي أن معناه ليس ذلك ولذا لا يجوز له الاستدلال بأن اللفظ استعمل في معنيين والأصل أن يكون للقدر المشترك دفعا للاشتراك والمجاز فإن هذا إنما يصحّ بالنسبة إلى المنطوق دون المفهوم فإنّ اللفظ لم يستعمل في المفهوم حتى يتجه ذلك فتأمل فإن قلت لو تحققت الدلالة الالتزامية لكان اللازم حيث ما تحقق التعليق بكلمة إن إرادة الانتفاء عند الانتفاء وإلا لانفك اللازم عن ملزومه وهو باطل للاتفاق على أنّه استعمل في التعليق من غير إرادة المفهوم قلت نلتزم بذلك حيثما يراد من المنطوق معناه الحقيقي واستعمال التعليق فيما ذكرت مسلَّم لكن لم يرد فيه من المنطوق معناه الحقيقي وقد أشار إلى مثل هذا الكلام بعض المحققين في مفهوم الغاية ثم إن هذا على تقدير كون المفهوم لازما عقليا للمنطوق وإما أن جعلنا لازما عرفيا فالجواب واضح لأن الدلالة على المفهوم بالظهور وهو لا يقاوم الدليل القاطع على عدم إرادة اللازم العرفي كما أن أصالة حمل اللفظ على معناه الحقيقي لا يعارض قرينة المجاز فإن قلت غلبة استعمال التعليق بها فيما لم يرد منه المفهوم كما ادعاه بعض الأجلَّة نمنع من جعله أصلا قلنا تلك الدّلالة ممنوعة ولا برهان عليها ومنها أنه لا فرق بين قولنا