السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
210
مفاتيح الأصول
زك في الغنم إن كانت سائمة فكما أن الأول لا يدلّ على انتفاء الحكم بانتفاء الصفة فكذا الثاني وقد أشار إلى هذا بعض المحققين وفيه نظر للمنع من عدم الفرق إن قلنا بعدم دلالة التعليق على الانتفاء عند الانتفاء وإلا فلا فرق بينهما ومنها أن التعليق لو دل على الانتفاء عند الانتفاء لزم التناقض أو التأكيد المخالف للظاهر إذا صرّح بجريان حكم المذكور في غير المذكور أو تحقق نقيضه فيه نحو إن جاءك فأعطه وإن لم يجئك فأعطه أو لا يجب عليك الإعطاء والأصل عدمها وفيه نظر لأن الأصل ظاهر وما ذكرناه قاطع فيقدم ومنها أن التعليق لو دلّ على ذلك لما جاز الاستفهام عن حكم غير المذكور واللازم باطل فإنه يصح أن يستفهم عقيب قوله إن جاءك فأكرمه عن حكم عدم المجيء فيقول هل يجب الإكرام إذا لم يجئ فالملزوم مثله بيان الملازمة أن الاستفهام لا يكون إلا في موضع الإجمال والاشتباه فينا في فرض الوضوح والدلالة ولذا لا يجوز الاستفهام من الضرب والقتل بعد تحريم التأفيف وفيه نظر لأن الاستفهام إنما يصح في صريح الدّلالة ونحن لا ندعي صراحة التعليق في الدلالة بل ندعي ظهوره فيها وحسن الاستفهام في الظواهر مما لا ينبغي إنكاره وقد صرّح به في المعالم ثم إن ذلك مقلوب عليكم فإنه لولا الدلالة لما حسن الاستفهام ولذا لو قيل أكرم زيدا لا يحسن أن يستفهم عن إكرام عمرو من حيث عدم إجمال اللَّفظ ومنها أن ألفاظ النّفي مفارقة لألفاظ الإثبات في لغة العرب فلا يجوز أن يفهم من لفظ الإثبات النفي وبالعكس فلا يفهم من قولنا إن جاءك فأكرمه الذي هو إثبات النفي وفيه نظر للمنع من أن ألفاظ النفي مفارقة لألفاظ الإثبات فإن اللفظ الواحد قد يكون دالا عليهما وهو اللفظ المشترك الموضوع للنقيضين سلمنا ذلك لكن إنما هو بالنظر إلى جهة واحدة من دلالة اللَّفظ وأما من جهتين فلا نسلم ذلك وهاهنا الدال على الثبوت عند الثبوت صريح الخطاب والدال على الانتفاء عند الانتفاء دليل الخطاب وهما متغايران ثمّ إن ما ذكروه منقوض بالتخصيص بالغاية ومنها أنه لو كان التعليق دالا على ذلك للزم عدم الانحصار في المدلول واللازم باطل والملزوم مثله بيان الملازمة أن قولك لا يجب إكرام غير القائم إن لم يكن عندك فلأن مفهومه وجوب إكرام غير القائم إذا كان عندك فلان وغير القائم لا ينحصر في عدد فلا يتعلق به التكليف وإلا لزم التكليف بما لا يطاق والتخصيص بالبعض ترجيح من غير مرجح وفيه نظر لأنه إن كان غير القائم مطلقا جاز الاكتفاء بمن يتحقق فيه المسمّى وإن كان عاما كان المكلَّف به المقدور كما إذا صرّح بإكرام غير القائم ومنها أن الحكم بالدلالة لا بد وأن يكون بدليل وليس لأنه إما عقلي ولا مدخل له في مثل المسألة أو نقلي وهو إما متواترا وآحاد الأول مفقود وإلا لما وقع الخلاف والثاني لا يفيد إلا الظنّ والمسألة علمية وفيه نظر لأنّ ما ذكرناه دليل في إثبات اللَّغة لا ينبغي إنكاره واشتراط التواتر في إثبات اللَّغات ضعيف جدّا كما في الإحكام كيف وأن اشتراط التّواتر في إثبات اللغات إما أن يكون في كلّ كلمة ترد عن أهل اللَّغة أو في البعض دون البعض القول بالتفصيل تحكم غير معقول مع أنه لا قائل به وإن كان ذلك شرطا في الكل فذلك ممّا يفضي إلى تعطيل التمسّك بأكثر اللغة لتعذر التواتر فيها ويلزم من ذلك تعطيل العمل بأكثر ألفاظ الكتاب والسنّة والأحكام الشرعية والمحذور في ذلك فوق المحذور في عدم قبول خبر الواحد المعروف بالعدالة والضبط والمعرفة وهو لجواز تطرق الكذب والخطاء عليه مع أن الغالب صدقه وصحة نقله ولهذا كان العلماء في كلّ عصر إلى زماننا هذا يكتفون في إثبات الأحكام الشرعية المستندة إلى الألفاظ اللَّغوية بنقل الآحاد المعروفين بالثقة والمعرفة كالأصمعي والخليل وسيبويه ومنها أنه لو كان التعليق دالا على ذلك لجاز أن يبطل حكم المنطوق ويبقى حكم دلالة المفهوم كما يجوز أن يبطل حكم دلالة المفهوم ويبقى حكم المنطوق وهو ممتنع وفيه نظر لما ذكره في المعالم من أن دليل الخطاب إنما يتفرع على صريحه فإذا بطل الأصل بطل الفرع قال ثم هو منقوض بالتخصيص بالغاية وللقول الثالث غلبة إرادة النفي عن غير المذكور في التعليقات الشرعية وضعف هذه الحجة في غاية الظَّهور ويضعف هذا القول مضافا إلى ما تقدم إليه الإشارة أمران أحدهما ندرة القائل به وشذوذه وثانيهما أنه لو ثبت الدلالة في الشرع فاللازم أن يكون في اللَّغة كذلك لأصالة عدم النقل وقد يقال هذا إنما يتم لو جعل وجه الدلالة في الشرع التبادر وأما لو جعل السبب فيها انتفاء الفائدة لو لم يفد التخصيص بالذكر ذلك فلا لإمكان الفرق حينئذ فإن غير الشارع قد لا يلاحظ لزوم الفائدة في التخصيص بالذكر للذهول بخلاف الشارع فإنه لا يعزب عنه ذلك وهو كما ترى وللقول الرابع أن المتبادر كون الشرط شرطا لإيقاع الحكم أي إصداره من المتكلم فإن قوله إن جاءك فأكرمه يفهم منه إن لم يجئك فلا حكم بوجوب الإكرام وقوله إن نزل الثلج