السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

194

مفاتيح الأصول

بفرد مّا وفيه نظر وعلى المختار لا إشكال في أن دلالة المنكر على العموم الاستغراقي أظهر من دلالة المعرّف عليه كما لا يخفى ولا فرق في ذلك بين الاسم والفعل فقوله لا تضرب يفيد وجوب ترك جميع أفراد الضّرب ولا فرق في ذلك بين أن يكون طلب الترك بعنوان التحريم أو لا ولا فرق في ذلك أيضا بين أن يقع في كلام الشارع أو غيره ومنها أن يتعلق به حكم خيري غير طلبي ويكون إثباتا وهذا إن كان مفردا معرفا باللام نحو قوله تعالى أحلّ اللَّه البيع وحرّم الرّبا وقوله عليه السلام إذا بلغ الماء قد ذكر لم ينجسه شيء وقوله عليه السلام البيعان بالخيار ما لم يفترقا فهذا يفيد العموم الاستغراقي ويجب فيه الحكم بثبوت الحكم المعلق لجميع أفراد المعلَّق عليه فيحكم في المثال الأوّل بحليّة كلّ فرد من أفراد البيع والحجة فيه وجوه منها أنه المستفاد من طريقة العلماء قديما وحديثا ولا نكير لهم في ذلك لا يقال قد أبطلت سابقا التمسّك بهذا الوجه لأنا نقول الَّذي حققناه هناك أنه لا يكون المفرد المعرّف موضوعا للعموم وهو لا يلزم عدم جواز التمسّك بطريقتهم فيما ذكرنا وهو واضح ولا يقال يجب الحكم بالعموم في كلّ واقعة حصل فيها الإجماع عليه ولا يجوز التعدي إلى الوقائع التي وقع فيها الخلاف ومعه لا يبقى فائدة في دعوى كون المفرد المعرّف يفيد العموم في هذه الصّورة لأنا نقول من التتبع في سيرتهم يحصل الظنّ بل القطع بأن الحكم هنا أصل لازم الاتّباع ويجب الأخذ به مطلقا والخلاف في أصل المسألة لا يستلزم الخلاف في حجيّة هذا الأصل لأن المنشأ في مخالفة المخالف وجود المخصص لهذا الأصل لا منعه كما لا يخفى وبالجملة هذا الأصل من الأصول التي لا نكير لها من أصحابنا وعليه جرت عادتهم وسجيتهم فإنّهم في مقام الاستنباط يحكمون بالعموم إذا ورد ذلك وفي مقام التخاصم والتشاجر يقحمون الخصوم ويلزمونهم به والخصوم يلتزمون به ولا ينكرونه وليس ذلك إلا لأنه أصل سليم ومسلك مستقيم فكيف من نفي دلالة المفرد المعرّف على العموم كونه ليس على حد الصّيغ الموضوعة لذلك لا عدم إفادته إياه مطلقا فاعلم أن القرينة الحالية قائمة في الأحكام الشّرعية غالبا على إرادة العموم منه حيث لا عهد خارجي كما في قوله تعالى أحل اللَّه البيع وحرّم الرّبا وقوله عليه السلام إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء ونظائره ووجه قيام القرينة على ذلك امتناع إرادة الماهية والحقيقة إذ الأحكام الشرعية إنما تجري على الكليّات باعتبار وجودها كما علم آنفا وحينئذ إما أن يراد وجود الحاصل لجميع الأفراد أو ببعض غير معيّن لكن إرادة البعض تنافي الحكمة إذ لا معنى لتحليل بيع من البيوع وتحريم فرد من الرّبا وعدم تنجيس مقدار الكر من بعض الماء إلى غير ذلك من موارد استعماله في الكتاب والسنّة فتعين في هذا كلَّه إرادة الجميع وهو معنى العموم ولم أر أحدا تنبّه لذلك من متقدمي الأصحاب سوى المحقق فإنه قال في آخر هذا المبحث ولو قيل إذا لم يكن ثم معهود وصدر من حكيم فإن قرينة حالية تدل على الاستغراق لم ينكر ذلك بالنظر إلى الحكمة انتهى وقد أشار إلى ما ذكره جدي أيضا وادعى عدم النزاع في إفادة المفروض العموم وفي المسالك في جملة كلام له أن المفرد المعرف باللَّام في هذه المقامات ظاهر في العموم إذ لولاه لكان الكلام من الشارع عاربا عن الفائدة أصلا إذ لا معنى للحكم يكون امرأته في الجملة يجوز لها التزويج بغير ولي فإن ذلك واقع عند جميع المسلمين حتى عند من أثبت الولاية على البنت فإنه أسقطها عن المرأة في مواضع وبمثل هذا استدلَّوا على عموم مثل إذا بلغ الماء قدر كر لم يحمل خبثا ومفتاح الصلاة الطَّهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم وغير ذلك مما هو كثير ومنها أن الحكم في هذه الصّورة معلَّق على الماهيّة وهو يستلزم ثبوته لجميع الأفراد لتضمنها الماهية المحكوم عليها بذلك وقد صرّح بهذا الخليفة وجدي وإن كان مفردا معرفا باللام ومثل قوله رأيت الرّجل ومررت بالرّجل فلا يفيد العموم الاستغراقي ولا المجموعي ولا البدلي لا مطابقة ولا تضمنا ولا التزاما بل يكون بالنسبة إلى الإفراد مجملا وذلك واضح لا ريب فيه وإن كان مفردا منكرا بنحو قوله تعالى أنزلنا من السّماء ماء طهورا وقوله علمت نفس ما قدمت وقوله يباح لك بيع وقوله رأيت رجلا فلا يفيد أيضا العمومات المذكورات بل يكون مجملا بالنسبة إلى الإفراد كما تقدم وذلك أيضا مما لا ريب فيه نعم قد يفيد ذلك العموم بقرينة من امتنان ونحوه وقد صرّح بعض المحققين بأن قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء يفيد العموم وشمول الحكم بالطهورية لجميع أفراد المياه لوروده في مقام الامتنان المقتضي للتّعميم ولا فرق في جميع ما ذكرناه بين كلام الشارع وغيره ومنها أن يتعلَّق به حكم خبري غير طلبي ويكون نفيا وهذا إن كان نكرة نحو ما رأيت رجلا فلا إشكال في إفادته العموم الاستغراقي وإن كان مفردا معرّفا باللَّام نحو ما رأيت الرّجل ولا يحلّ الرّبا ولا يحلّ الزّنا فالظاهر إفادته العموم الاستغراقي كالمنكر ولكن دلالة المنكر عليه أقوى من دلالة المعرّف كما لا يخفى والظاهر أن سائر المعارف التي يفيد المفاهيم الكليّة حكمها حكم المفرد المعرّف باللام في جميع ما ذكرنا هنا وفيما سبق كما لا يخفى مفتاح يشترط في حمل المطلق نكرة كان أو اسم جنس معرّفا باللام كان أم لا على العموم استغراقيا