السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
189
مفاتيح الأصول
الظاهرة في معنى أو المتناولة بعمومها لشيء إذا تتلى عليه الآية لم يكن يجيبه بأنه لا حجة فيها فلعلها مخصوص أو مؤوّل فانتظر حتّى تنظر في تخصيصه وتأويله ولم يسمع المقابلة لمحتج لشيء بأن هذا الدليل مما يرجى تحقّق المعارض فيه فلتصير حتى ترى وتوصل إلى ما يؤول إليه البحث من أحد من المعتبرين انتهى ويعضد ما ذكره ما أشار إليه في الوافية فقال ويمكن الاستدلال على الجواز بأن علماء الأمصار في جميع الأعصار لم يزالوا يستدلَّون في المسائل بالعمومات من غير ضميمة نفي المخصص ولو لم يصح التمسّك بالعام قبل البحث عن المخصص لكان للخصم أن يقول العام لا يكفي في إثبات هذه المسألة ولا علم لي ببحثك من المخصّص الَّذي يوجب انتفاؤه دخول هذا الفرد المتنازع فيه فيقحم المستدل على إثباته على الخصم وأيضا الأصول الأربعمائة الَّتي كانت معتمدة لأصحاب الأئمة عليهم السلام لم تكن موجودة عند أكثر أصحابهم بل كان عند بعضهم واحد وعند البعض اثنان والثلاثة والأربعة والخمسة ونحو ذلك والأئمة عليهم السلام كانوا يعلمون أن كل واحد من أصحابهم يعمل في الأغلب بما عنده من الأصول ومعلوم أن البحث عن المخصص لا يتم بدون تحصيل جميع تلك الأصول فلو كان واجبا لورد من الأئمة عليهم السّلام أمر بتحصيل كل تلك الأصول ونهي عن العمل ببعضها إذ معلوم أن جلّ الأحكام من قبيل العمومات والمطلقات المحتملة للتقييد فالمسألة محل التوقف وفيه نظر أما أولا فللمنع عن اتفاق الصحابة والتابعين على ذلك وكيف لا ومعظم أصحابنا على لزوم البحث ولو كان فعل الصّحابة والتابعين ثابتا لما خفي عليهم مع كثرة تتبعهم وقرب عهدهم وتبحّرهم وعلوّ درجتهم في العلم وأما ثانيا فلمعارضة ما ذكره بالإجماعات المنقولة المتقدم إليها الإشارة المعتضدة بالشهرة العظيمة القرينة من الإجماع وبالسيرة المعهودة من أصحابنا قديما وحديثا فتأمل وأما ثالثا فلمعارضة ذلك بالعمومات المانعة عن العمل بغير العلم وهي وإن كانت أعم مطلقا من الإجماع الَّذي ادعاه مطلقا ولكن لاعتضادها بالشهرة العظيمة لا يصلح ما نقله لتخصيصها لما حققناه من أن العام إذا اعتضد بالشهرة لا يصلح الخاص لتخصيصه ومنها ما تمسّك به الفاضل الشيرواني أيضا فقال بعد ما حكيناه عنه سابقا الثاني قوله تعالى إن جاءكم إلى آخره نفي بالمفهوم التثبت عند مجيء العدل والبحث عن المخصّص تثبت وأي تثبت فإن قلت هذا إنّما يتمّ في نفي اشتراط القطع فللخصم أن يدعي أن المعنى أن الخبر الَّذي يفهم المراد منه ظنا أو قطعا لا يجب التثبت عند مجيء العدل به وأمّا الخبر الَّذي لا يظن بالمراد منه فخارج عن مدلول الآية ومفهومها قلت لفظ الآية مطلق لا تقييد فيه بالظن بالمراد ولو صحّ مثله لجاز لنا في العمل بخبر الواحد مطلقا تقييدها بخبر يظن بصدق الرّاوي أو يقترن بقرينة وشبهها وأما المجمل فخارج عن الآية بالاتفاق ولا اتفاق فيما نحن فيه أو بدليل العقل وهو امتناع العمل به لعدم ترجيح معنى على معنى آخر وجعل العام على حد الصّيغ المشتركة حتى لا يكون فرق بين القول بأن للعموم صيغة مختصة به وبين القول بالاشتراك جميع الصّيغ الَّتي يظن بها العموم بينه وبين الخصوص في المعنى رجوع عما أسّس أولا وجزاف من القول والحاصل أن العقل يستقبح أن يتعبدنا الحكيم بالمجمل بخلاف العام إذ الأول يخالف العرف والعادة دون الثاني انتهى وفيه نظر لأنا نمنع من نهوض مفهوم الآية الشريفة لإثبات أصل حجيّة خبر العدل فضلا عن نهوضها لإثبات عدم وجوب الفحص عن المخصّص مضافا إلى أن مقتضى التّعليل الَّذي تضمّنه ذيل الآية الشّريفة وجوب الفحص فيجب العمل به فتأمّل نعم قد يقال أن مقتضى الإطلاق الدّالة على حجية الاستصحاب نحو قوله عليه السلام لا تنقض اليقين إلا بيقين مثله حجيّته مطلقا ولو من غير فحص عن المعارض ولذا لا يجب في التمسّك به في الموضوعات الصّرفة الفحص والتجسس وكذلك الإطلاقات الدّالة على حجيّة بعض الأدلَّة نحو قوله عليه السلام خذ بما اشتهر بين أصحابك ونحو ذلك وإذا ثبت عدم وجوب الفحص بالنسبة إلى هذه الأدلَّة بمقتضى الإطلاقات ثبت مطلقا إذ لا قائل بالفصل لا يقال كما يجب العمل بما دل على حجيّة ما ذكر كذا يجب العمل بما دل على حجيّة الأدلَّة الَّتي لو ظهرت كانت رافعة لما ذكر فيجب تحصيلها من باب المقدمة لأن وجوب العمل بها مطلق غير مشروط بصورة العلم بها لأنا نقول نمنع من كون ذلك واجبا مطلقا بل غاية ما يستفاد من الأدلة هو الوجوب المشروط بصورة العلم بها كما أن المستفاد من قوله اعمل بالشهرة وجوب العمل بعد العلم بها وفيه نظر أما أولا فلأن الإطلاقات المذكورة يجب الفحص عن معارضها في التمسّك بها لعدم الدّليل على جواز التمسك بها قبل الفحص بل التمسك بها قبل الفحص عن ذلك دور باطل وإذا وجب الفحص هنا وجب مطلقا لعدم القول بالفصل من هذه الجهة فتأمل وأما ثانيا فلمعارضة الإطلاقات المذكورة بالعمومات المانعة عن العمل بغير العلم كتابا وسنة والتعارض بينهما بعد خروج صورة الفحص عن هذه العمومات من