السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

190

مفاتيح الأصول

تعارض العمومين من وجه ومن الظاهر أن الترجيح مع هذه العمومات ولئن تنزلنا وقلنا إن الإطلاقات المذكورة أخص مطلقا من هذه العمومات فنقول الإطلاقات المذكورة لا تصلح حينئذ لتخصيص تلك العمومات لاعتضادها بالشهرة العظيمة وقد قلنا إن العام إذا اعتضد بالشهرة لا يصلح الخاصّ لتخصيصه ومنها ما تمسّك به الفاضل الشيرواني أيضا فقال الثالث قوله تعالى فلو لا نفر إلى آخره أوجب الحذر عند إنذار الواحد ولم يقيده بالبحث عن المخصص والمعارض ولو جوزنا أن المراد أنّهم يعملون به بعد تحقق شرطه وهو البحث عن المعارض والمخصّص الواصل إليهم إمّا من طريق آخر أو من طرقهم لتطرق احتمال أنهم يعملون به بعد انضمام أمثاله به من طريق آخر حتّى يصل إلى حدّ التواتر وإن الطائفة ينذرونهم بالفتوى لاستجماعهم شرائطه والحاصل أن الدّلائل الدّالَّة على العمل بالظن لو تمت لدلَّت على أن البحث عن المخصّص والمعارض غير واجب انتهى وفيه نظر ومنها أن العامي لا يجوز له العمل بالعمومات قبل الفحص ولو كان العالم كذلك لزم مساواتهما من هذه الجهة والأصل عدمها لعموم قوله تعالى هل يستوي الَّذين يعلمون إلى آخره وفيه نظر ومنها أن عدم وجوب الفحص أوفق بالملَّة السّمحة السّهلة وأن الوجوب مستلزم للجرح والأصل عدمه لما سيأتي إن شاء الله وفيه نظر والمعتمد عندي في المسألة هو القول الأول الذي عليه المعظم وينبغي التنبيه على أمور الأوّل هل يلزم على المختار من لزوم الفحص عن المخصص في التمسّك بالعمومات الفحص عنه حتى يحصل العلم بعدمه فلو لم يحصل العلم لم يجز العمل بها مطلقا ولو حصل الظن المتاخم إلى العلم بعدمه أولا بل يكفي الظن بالعدم اختلفوا في ذلك على قولين الأول أنه لا يشترط العلم بعدم المخصص وهو للنهاية والتهذيب والمنية والمعارج والزبدة وشرحها لجدي رحمه الله والإحكام والمختصر وشرحه للعضدي وشرح الشرح والمحكي في الإحكام عن الغزالي وإمام الحرمين وابن شريح وفي المعالم وشرح الزبدة لجدي الصّالح والإحكام والمختصر وشرحه للعضدي أنه مذهب الأكثر الثاني أنه يشترط ذلك وهو للمحكي في جملة من الكتب عن القاضي وفي الإحكام هو مذهب القاضي أبي بكر وجماعة من الأصوليّين للأولين ما تمسّك به في الزبدة والمعالم والمنية وشرح الزبدة لجدي الصّالح والإحكام والمختصر وشرحه للعضدي فقالوا إنما اكتفينا بحصول الظن ولم نشترط القطع لأنه مما لا سبيل إليه غالبا إذ غاية الأمر عدم الوجدان وهو لا يدل على عدم الوجود فلو اشترط القطع لأدّى إلى إبطال العمل بأكثر العمومات ويعضدها ما ذكر حجج القول الثاني المتقدم إليها الإشارة لا يقال نمنع ذلك بل القطع بعدم المخصّص مما يحصل بسهولة وذلك لأن المسألة إن كانت مما كثر فيه البحث بين العلماء وطال نزاعهم فيه ولم يطلع على تخصيص ولا نقله ناقل منهم فالعادة قاضية بالقطع بانتفائه إذ لو كان لوجد مع كثرة البحث فيه فبحث المجتهد فيها يوجب القطع بانتفائه أيضا لأنه لو أريد بالعام الخاص لنصب لذلك دليل يطلع عليه فإذا بحث المجتهد ولم يعثر بدليل التخصيص يقطع بعدمه لأنا نقول ما ذكر باطل لما ذكر في جملة من الكتب ففي المعالم والزبدة وشرحها لجدي الصالح والمختصر وشرحه للعضدي الجواب بمنع المقدّمتين أعني العلم عادة عند كثرة البحث والعلم بالدليل عند بحث المجتهد فإنه كثيرا ما يكون المسألة مما تكرر فيه البحث أو يبحث فيها المجتهد فيحكم ثم يجد ما يرجع به عن حكمه وهو ظاهر وفي الإحكام القول بأنه لو كان ثمر مخصص لأطلع عليه العلماء غير يقيني لجواز وجوده مع عدم اطلاع أحد من العلماء عليه وبتقدير اطلاع بعضهم عليه فنقله له أيضا غير قاطع بل غايته أن يكون ظنيا كيف فإنه ليس كلّ ما ورد فيه العام مما كثر خوض العلماء فيه وبحثهم عنه ليصحّ ما قيل والقول بأنه لو كان المراد بالعام المخصّص لنصب اللَّه تعالى عليه دليلا غير مسلَّم وبتقدير نصبه الدّليل لا نسلم لزوم اطلاع المكلَّفين عليه وبتقدير ذلك لا نسلم نقلهم له انتهى ولا يقال لا نسلم بطلان التالي وما المانع من بطلان العمل بأكثر العمومات لأنا نقول المانع أمران أحدهما استلزام ترك أكثر العمومات الخروج عن الدين وهو غير جائز ولذا جاز العمل بالظن في الفروع وثانيهما إجماع المسلمين على العمل بالعمومات فتأمل ولا يقال غلبة عدم التمكن من تحصيل القطع بعدم المخصص لا يستلزم عدم وجوبه مطلقا حتى فيما إذا تمكن منه وإن كان نادرا فما ذكروه ليس بسديد لأنا نقول ما ذكر باطل لوجهين أحدهما أن مقصودهم دفع القول باشتراط العمل بالعام بتحصيل القطع بعدم المخصّص كلية ولا ريب أن ما ذكروه يدفع هذا الإيجاب الكلي فإن السالبة الجزئية إذا صحت أبطلت الموجبة الكلَّية لما تقرر في علم الميزان أن السالبة الجزئية تناقض الموجبة الكلية وأن ثبوت أحد النقيضين يستلزم رفع الآخر وثانيهما أنه إذا ثبت عدم وجوب تحصيل القطع بعدم المخصص في كثير من العمومات باعتبار تعذر ذلك فيه وجب الحكم بعدم الوجوب فيما يمكن ذلك فيه إمّا للإجماع المركب إذ كلّ من جعل شرط العمل بالعام القطع