السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

188

مفاتيح الأصول

حمل الفرد على الأعم الأغلب وفيه رد على من أوجب التمسّك به ابتداء متمسّكا بظن نشأ من أصالة عدم المخصص كالعلامة وصاحب المنهاج انتهى لا يقال الدّليل أخصّ من المدّعى لاختصاصه بالعام الذي علم بتخصيصه على وجه الإجمال وأما العام الذي لم يعلم فيه بذلك إجمالا فلا لأنا نقول الأخصّية من المدعى هنا غير قادحة لظهور عدم القول بالفصل من هذه الجهة فتأمل ومنها فحوى ما دل على عدم جواز تقليد المجتهد البارع في الفن وعدم جواز العمل بجملة من الظنون القوية إذ لا ريب أن الوثوق بما ذكر أشد من العمل بالعمومات قبل الفحص فتأمل ومنها أن الأمر بالعمل ببعض الأدلَّة كالأمر بالعمل بالشهرة بقوله عليه السلام خذ بما اشتهر بين أصحابك والأمر بالعمل بخبر العدل بمفهوم قوله تعالى إن جاءكم عادل فاقبلوا والنهي عن العمل ببعض الوجوه كالنهي في قوله تعالى ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولَّى الآية والنّهي في قوله عليه السلام ودع الشّاذ النادر يقتضيان وجوب الفحص فتأمل وللآخرين أيضا وجوه منها أنه لو وجب طلب المخصص في التمسّك بالعام لوجب طلب المجاز في التمسك بالحقيقة بيان الملازمة أن إيجاب طلب المخصص إنما هو للتحرّز عن الخطاء وهذا المعنى بعينه موجود في المجاز بل هو أبلغ إذ بتقدير وجود المخصص يكون المفسدة في ثبوت الحكم بمحل التخصيص ويحصل فائدة تحقق الحكم في غيره وهو مقصود اللافظ وبتقدير وجود المجاز قد يكون الحقيقة غير مرادة فيحصل مفسدتان الأولى ثبوت الحكم للحقيقة وهو غير مراد والثانية انتفاء عن المجاز وهو المراد لكن اللازم أعني طلب المجاز منتف فإنه ليس بواجب اتفاقا والعرف قاض بحمل الألفاظ على ظواهرها من غير بحث عن وجود ما يصرف اللَّفظ عن حقيقته وإذا كان في العرف كذلك وجب في الشرع كذلك لقوله عليه السلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللَّه حسن وأجاب عن هذا الوجه في النهاية والمعالم والزبدة وشرحها لجدي رحمه الله بالفرق بين العام والحقيقة فإنّ العمومات أكثرها مخصوص كما عرفت فصار حمل اللَّفظ على العموم مرجوحا في الظن قبل الفحص عن المخصص ولا كذلك الحقيقة فإن أكثر الألفاظ على الحقائق وزاد في الزبدة وشرحها فقالا وما قيل من أن أكثر اللَّغة مجازات يكذبه التتبع كما يصدق المثل انتهى ويظهر من هذا الجواب عدم وجوب البحث عن المجاز في العمل بالحقائق وجواز العمل بظاهر الألفاظ من غير بحث وفحص عن المعارض وهو خلاف التحقيق كما سيأتي إن شاء الله تعالى نعم هذا الجواب إنما يتجه لو كان المنع من العمل بالعام قبل الفحص مستندا إلى صيرورة التخصيص من المجازات الشائعة وكان القائل بلزوم الفحص مقصوده عدم جواز العمل بالعام حتى يظهر عدم تخصيصه كما لا يجوز العمل بالحقيقة المرجوحة حتى يظهر عدم إرادة المجاز وعلى هذا يرجع النزاع في المسألة إلى أن العمومات هل صارت حقائق مرجوحة أو لا وإلى أنه هل يشترط في حمل اللَّفظ على معناه الحقيقي ظهوره أو عدم ظهور المجاز ولا يختصّ حينئذ النزاع بالعمل بالعمومات الشّرعية في مثل هذه الأزمنة بل يعم العمومات المسموعة من أربابها ولكن الظاهر من كلماتهم أن ما ذكر ليس محلّ النّزاع هو العمل بالعمومات من غير بحث عن المخصّص ومراجعته إلى الأحاديث وكلمات الأصحاب والأدلَّة الشرعيّة في مثل زماننا هذا وعلى هذا لا فرق بين العمومات وغيرها من الحقائق في لا بدّية البحث عن المعارض وبالجملة لو كان مرجع البحث في المسألة إلى الأصل لا بدية البحث عن المعارض في هذه الأزمنة فلا إشكال في عدم صحّة الفرق وإن كان إلى صيرورة العمومات من المجملات وإلى اشتراط ظهور إرادة المعنى الحقيقي في حمل اللفظ عليه فالفرق ممكن ولكن الإنصاف أنّه باطل للمنع من صيرورة العمومات مجازات راجحة وقوة احتمال كفاية عدم ظهور إرادة المجاز في حمل اللفظ على الحقيقة ومع هذا فغير العمومات من سائر الحقائق قد يتفق صيرورته كالعام في الدّلالة على معناه الحقيقي باعتبار غلبة التجوز فيه كما لا يخفى فالفرق بين العام وغيره مطلقا باطل فتأمل ومنها ما أشار إليه في النهاية فقال احتج الصّيرفي بأن الأصل عدم التخصيص وهذا يوجب ظن عدم المخصّص فيكفي في الإثبات الظن بالحكم ثم أجاب عنه أنّه معارض بأن الأصل عدم كونه حجّة انتهى ومنها ما تمسّك به الفاضل الشيرواني فقال الحق أن القطع والظن لا يشترط في شيء من الأدلَّة لوجوه الأوّل أن الدليل الدّال على العمل بخبر الواحد وهو أن الصّحابة والتابعين كانوا يعملون بخبر الواحد ومثلوا لذلك أمثلة وشاع ذلك وذاع ولم ينكر عليهم أحد وإلا لنقل إلينا بالعادة يجري نظيره هاهنا بأن يقال لم يطلب أحد من المنازعين في المسألة التوقف من صاحبه حتى يبحث ويتفحص عن المعارض والمخصّص بل سكت أو تلقى بالقبول وإلا لنقل إلينا فصار إجماعا على عدم البحث عن المخصّص وإذا ثبت عدم البحث في خبر الواحد عن المخصّص والمعارض ثبت في الكتاب بطريق أولى على أنه يمكن أن يقال معلوم من شأن الصّحابة والتابعين أنه حين احتجاج أحدهم على صاحبه بالآية