السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

185

مفاتيح الأصول

مضبوط محصور لا خلاف فيه وإنما يصح تقديره في أخبار الآحاد انتهى وأما إذا ورد عام وخاص عن الأئمة فيبنى على التخصيص سواء اتحد زمانهما كما إذا قال الصادق عليه السلام كل ماء لا ينجس بالملاقاة وقال بلا فصل الماء القليل الراكد ينجس بالملاقاة أو اختلف كما إذا ذكر الثاني بعد الأول بسنة وسواء كانا من إمام واحد كما تقدم أو أحدهما من إمام والآخر من آخر كما إذا ورد عن الصّادق عليه السلام لا تكرم العلماء وورد عن الحجة القائم عليه السلام لا تكرم زيدا العالم وما قلنا طريقة أصحابنا ومذهب مشايخنا وكبرائنا رضوان اللَّه عليهم يجد ذلك من فارس سجيتهم وزاول طريقتهم وقد صرّح بنسبة ذلك إلى قدماء أصحابنا والمجتهدين والأخباريين وجميع المحققين من علماء الأصول جدي رحمه الله في بعض فوائده إلا أنه حكى عن بعض المتأخرين المقاربين لزمانه التأمل فيه محتجا بأن الجمع بينهما كما يمكن بالتخصيص كما يمكن بغيره وترجيح الأول يحتاج إلى دلالة وضعفه ظاهر فإن وجه الجمع منحصر في الأوّل وذلك لما عرفت من أنّ التخصيص أقرب وجوه الجمع واحتمال النسخ هنا غير متطرق لاختصاصه بزمان النّبي صلى الله عليه وآله ولذا إذا ورد خاص من الأئمة عليهم السلام يخصص به عموم الكتاب والسّنة المتواترة كما أن خصوصهما يخصص عمومه والحجة في ذلك كلَّه بعد الاتفاق أن المتضادّين لا يصدران عمن لا يجوز عليه الخطاء إلا بتأويل في أحدهما بما يرجع إلى الآخر وهو وإن كان متعددا إلا أن الأقرب غالبا هو التخصيص فيكون هو الأصل حتى يثبت الوارد عليه لا يقال كيف يجوز الحكم بالتخصيص فيما إذا كان الخاص عن الحجة عليه السلام وكان العام من الأمير عليه السلام وكذا بالعكس لظهور ورود أحدهما بعد حضور وقت العمل بالآخر فإن السامع بالعام من الأمير عليه السلام كان محتاجا إلى العمل به ولم يسمع الخاص لأنا نقول بالمنع من لزوم ورود أحدهما بعد الآخر بمدة متطاولة الورود بعد حضور وقت العمل لجواز عدم احتياج السّامع بالعام المتقدم إلى العمل به سلمنا ولكن يجوز أن يكون هناك قرينة تدل على تخصيص العام المتقدم ولكنها اضمحلَّت فيكون الخاص المتأخر كاشفا عنها وصرّح بهذا جدي رحمه الله ويشير إليه كلام العلامة قد حكاه عنه فخر المحققين في الإيضاح وبالجملة حيث ينتفى احتمال النسخ إما لامتناعه كما إذا كان العام والخاص عن الأئمة عليهم السلام أو لندوره كما إذا كان أحدهما منهم عليهم السلام والآخر من النبي صلى الله عليه وآله فإن النسخ هنا غير ممتنع لجواز أن يكون ما هو عن الأئمة عليهم السلام مبينا لنسخ ما عن النّبي صلى الله عليه وآله بل قد يجوز هذا فيما إذا كانا منهم عليهم السلام يجب الحكم بالتخصيص إلا أن يمتنع كما إذا لزم منه خروج أكثر أفراد العام وقلنا بعدم جوازه كما هو خيرة جماعة فتعين حينئذ المجاز إن أمكن وإلا وجب الرّجوع إلى المرجحات الخارجية وكذا يجب الرجوع إليها إذا كان احتمال التجوز في الخاص مساويا لاحتمال التخصيص كما إذا غلب استعمال الخاص في المجاز كالأمر المستعمل في عرف الأئمة عليهم السلام في الندب بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة على ما ادعاه جماعة بل لا يبعد حينئذ ترجيح المجاز لأنه أقرب من التخصيص كيف لا وقد ذهب بعض إلى ترجيح المجاز المشهور إذا لم يكن هناك معارض وفيما إذا وجد المعارض بطريق أولى فيلزم حينئذ مدعي غلبة استعمال الأمر في النّدب في عرف الأئمة عليهم السلام إذا ورد نحو لا يجب إكرام العلماء وإكرام زيدا العالم ترجيح المجاز وإبقاء العموم على ظاهره وأما من أنكر الغلبة فعليه أن يحكم بالتخصيص اللَّهمّ إلا أن يعتضد العام بما يقوى دلالته على العموم كعمل المشهور بعمومه فيترجح حينئذ التجوز في الخاص إلا أن يكون بعيدا غايته فيتوقف وبالجملة المناط في المتعارضين ترجيح ما هو المطابق للواقع إما بالعلم والظن المعتبر شرعا وهو مختلف بحسب المقامات ولكن لما كان الغالب رجحان احتمال التخصيص في تعارض العام والخاص وكونه أقرب إلى الظن صار أصلا في هذا الباب الثاني إذا ورد عامان متعارضان تعارض العمومين من وجه نحو قوله وأن تجمعوا بين الأختين مع قوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم قال الأول خاص من جهة الجمع بين الأختين وعام من جهة الشمول للمملوكات وغيرهن والثاني خاص من جهة ملك اليمين وعام من جهة الشمول فقد صرّح الشيخ والأسنوي وهو ظاهر العلامة في النهاية بلزوم الرجوع إلى المرجحات وعدم جواز تعيين أحدهما للتخصيص ووجهه واضح لأن في التعيين يلزم الترجيح بلا مرجّح وهو باطل وإن لم يكن هناك وجه ترجيح فالتخيير في العمل بأيّهما شاء كما في النهاية والمحكي عن المحصول والبيضاوي وهذا القول مما لا ريب فيه إذا علم ورود الثاني قبل حضور وقت العمل بالأوّل أو جهل التّاريخ أو ورد عن الأئمة وأما إذا ورد عن النبي صلى الله عليه وآله أو كان الثاني بعد حضور وقت العمل بالأول فيرجع إلى النزاع السّابق فيما إذا ورد العام بعد حضور وقت العمل بالخاص فإن قلنا بالتخصيص هناك فيجب هنا الحكم بكون المتقدم مخصصا للمتأخر وإن قلنا بالنسخ هناك وجب الحكم بكون المتأخر ناسخا من المتقدم القدر الذي شمله لأن المتأخر وإن كان أعم من وجه لكنّه