السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

186

مفاتيح الأصول

أخصّ من آخر فإذا كان العام من كلّ وجه ينسخ الخاص المتقدم فالعام من وجه أولى بجواز النسخ كذا في النهاية واعلم أنه قد يلزم الجمع بين المتعارضين تعارض العمومين من وجه بتخصيص عام كل منهما بخاص الآخر وقد مضى إليه الإشارة مفتاح اختلفوا في جواز العمل بالعمومات الشرعية والتّمسك بها قبل البحث والفحص عن مخصصها أولا على قولين الأول أنه لا يجوز فلا يجوز الحكم بصحة عقد ولا بحلية طيب بمجرد ملاحظة قوله تعالى أوفوا بالعقود أحلّ لكم الطَّيبات من غير فحص عن مخصّصها فلو حكم به كان كمن حكم بمجرّد التشهي وهو للنّهاية والمنية والمعالم والزبدة وشرحها لجدي الصّالح رحمه الله والمختصر والإحكام والمحكي عن ابن شريح وإمام الحرمين والغزالي وفي شرح الزبدة لجدي الصّالح هذا مما ذهب إليه جمّ غفير من محققين وفي حاشية الفاضل الشيرواني أنه مذهب أكثر الأصوليين الثاني أنه يجوز وهو للمحكي في النهاية والمنية عن الصيرفي والمحكي في شرح الزبدة لجدي الصالح عن العلامة وصاحب المنهاج واستفاده في المعالم من التهذيب ويظهر من الفاضل الشيرواني في حاشية المعالم المصير إليه للأولين وجوه منها ما تمسك به في النهاية والتهذيب والمعالم والزبدة من أن المجتهد يجب عليه البحث عن الأدلة وكيفية دلالتها والتخصيص كيفية في الدلالة وقد شاع أيضا حتى قيل ما من عام إلا وقد خص فصار احتمال ثبوته مساويا لاحتمال عدمه ويتوقف ترجيح أحد الأمرين على البحث والتفتيش وفيه نظر لأنه إن كان المقصود أنه شاع استعمال العام في الخاص بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة فيجب التوقف في حمله على العموم بناء على ما هو الحق من أنه إذا تعارض الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح يجب التوقف ففيه أنه لو تم يلزم عدم جواز العمل بالعام بعد الفحص مع عدم الاطلاع على قرينة تدل على إرادة العموم لأن ما يدلّ على وجوب التوقف فيما إذا وقع التعارض بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح يدل عليه مطلقا ولو كان بعد الفحص بل الظاهر أن كلّ من أوجب التوقف في ذلك أوجبه بعد الفحص لا قبله كما لا يخفى سلمنا لكن ما ذكر إنما يمنع من العمل بالعام الَّذي لم يعلم بتخصّصه أصلا وشكّ في أنه هل خرج منه فرد أو لا وهل هو باق على معناه الحقيقي أو لا وأما العام الذي ثبت تخصيصه بالنسبة إلى فرد وشكّ في تخصيصه بالنّسبة إلى غيره فلا يمنع ذلك عن العمل به في المورد المشكوك فيه لدوران الأمر بين الحقيقة والمجاز الراجح كما لا يخفى لدوران الأمر حينئذ بين الحمل على أقرب المجازات وأبعدها ولا شكّ أن الأصل يقتضي مراعاة الأقرب وهذا الأصل لم يكثر تخصيصه حتى يتوقف في العمل وبالجملة الموهن للعام وهو غلبة التخصيص لا يبقى بعد العلم بتخصيصه بالنسبة إلى فرد حتى يصير موهونا بالنسبة إلى الفرد المشكوك في خروجه عنه وهو واضح جدّا فمثل هذا العام يجب العمل به بالنسبة إلى كلّ فرد مشكوك في خروجه عنه لحصول الظن منه بدخوله ويتقوى هذا الظن لو استلزم خروج الفرد المشكوك فيه تخصيص أكثر الإفراد الذي في غاية النّدرة إن سلَّم صحّته لا يقال لا شكّ في لزوم التوقف في العمل بالعام الذي لم يعلم بتخصيصه أصلا في مورد الشّك فيه لدوران الأمر بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح الموجب للتوقف كما اعترفتم به ولا يرد لزوم التوقف فيه بعد الفحص لأن وجوب العمل بالعام بعد الفحص قد ثبت بالإجماع ولولاه لكنا نقول به مع إمكان دعوى حصول الظن بعدم المخصص بعد الفحص لأنه لو كان غلبة لظهر نعم لو كان غلبة التخصيص في العمومات غلبة شخصية كما إذا فرض غلبة استعمال خصوص لفظ الأسد الموضوع للحيوان المفترس في الرّجل الشجاع اتجه لزوم التوقف بعد الفحص أيضا ولكنها غلبة نوعية كما لا يخفى والظنّ الحاصل من الغلبة مرتفع بعد الفحص وإذا وجب التّوقف في العمل بمثل هذا العام قبل الفحص وجب التوقف في العمل بالعام الذي علم بتخصيص في الجملة قبل الفحص أيضا إذ لا قائل بالفرق بين الأمرين على الظاهر لأنا نقول هذا مقلوب عليكم لأنّه إذا وجب العمل بالعام الذي لم يعلم بتخصيصه قبل الفحص لما ذكرتم من عدم القائل بالفرق وحيثما تعارض الوجهان وجب التوقف على أن التّرجيح مع الأخير لأن ما دلّ على لزوم العمل بالظَّن أقوى مما دلّ على لزوم التوقف كما لا يخفى وعلى هذا التقدير لا يمكن ترجيح ما دل على لزوم التوقف باعتبار موافقته للشهرة إلا على تقدير حجيّة الشهرة وهي محلّ إشكال نعم قد يمنع من حجية الظن مطلقا ويطالب بدليل حجية الظن الحاصل قبل الفحص وعلى هذا التقدير يمكن دعوى عدم التفرقة بين العمومات والحقائق في عدم جواز العمل بالظَّن المستفاد منهما قبل الفحص كما لا يخفى فتأمل هذا وقد أورد الفاضل الشيرواني في حاشية المعالم على الحجّة المذكورة بأنه إن أراد أنه يجب البحث عن أنه كيف يدل على المقصود بعد ثبوت أصل الدلالة فممنوع بل العلم بأنه دال كاف في التّمسّك به وإن لم يعلم كيفيتها ولو تم ذلك لزم البحث عن المجاز لأن التّجوز كيفيّة في الدّلالة والفرق تحكم وإن أراد أنه يجب البحث عن الكيفيات الَّتي ثبوت أصل الدلالة الأصلية وإن كانت ثابتة إلا أنها صارت ضعيفة الآن بحيث لا تعد دلالة ولا يعتبر بها إلا بعد البحث عن