السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
179
مفاتيح الأصول
مثال من تخصيص الأكثر من تلك العمومات يكون قبيحا وإذا فرض وجوده فحكمه ما عرفت سابقا ولكن لا يخفى أن تخصيص الألفاظ الموضوعة إلى أن يبقى واحد أو إلى أن يبقى الأقل منه في غاية المرجوحيّة فلا يمكن المصير إليه مع إمكان تأويل أقرب منه وإن كان مجازا إذ لم يثبت أن كل تخصيص أولى من المجاز حتى مثل التخصيص المفروض وإن كان حسنا إذ المناط في ترجيح التخصيص على المجاز هو الغلبة وثبوتها في جميع أقسام المخصّص عن ظاهر بل الظاهر العدم فإنه لا شك في أن حمل الأمر على الاستحباب أشبع من تخصيص العام إلى أن يبقى واحد أو اثنان أو ثلاثة خصوصا في أخبار الأئمة عليهم السلام ويمكن إلحاق الألفاظ المفيدة للعموم لا من جهة الوضع بالألفاظ الموضوعة له فيما ذكر وإن كان تخصيص الأكثر في غير الموضوعة للعموم سيّما المطلقات أهون فتأمل الثّالث المستفاد من إطلاق كلمات الأصوليّين في هذه المسألة أن محلّ النزاع يعمّ المخصّص المتصل والمنفصل وأن الأقوال المختلفة تعم الأمرين الرّابع حكى في المعارج والمحصول عن القفّال أنّه قال لا يجوز تخصيص الجمع المعرّف بحيث لا يبقى أقل من الثلاثة ولكن في المنية في غير المجازات والاستفهام يجوز الانتهاء إلى الواحد وهو منقول عن القفّال انتهى وفي الإحكام منهم من جعل نهاية التخصيص في أسماء الجموع كالرّجال والمسلمين إلى أن يبقى ثلاثة وهو مذهب الفقهاء من أصحاب الشافعي انتهى وفي الذريعة والغنية لا غاية إلَّا ويجوز أن يبلغ تخصيص ما ظاهره العموم إليها غير أن ألفاظ الجمع كالمشركين والرجال متى بلغ التخصيص فيها إلى أقل من ثلاثة كان اللَّفظ مجازا وإذا بلغ ثلاثة كان اللَّفظ حقيقة كما يكون فيما زاد وليس كذلك لفظة من فيما يعقل وما فيما لا يعقل فإذا بلغ إلى واحد كان اللَّفظ حقيقة ولم يكن مجازا وزاد الأوّل فقال وقد حكي عن أبي بكر القفّال الخلاف في ذلك وأنّه كان يذهب إلى أن لفظة من يجوز أن يبلغ التخصيص فيها إلى الواحد ولا يجوز في ألفاظ الجمع أن ينتهي التخصيص إلى الواحد وهذا منه ظريف وإذا كان البلوغ عنده في من إلى الواحد يجعل اللَّفظ مجازا قالا جاز في ألفاظ الجمع مثل ذلك وإذا كان أيضا التخصيص في ألفاظ الجمع إلى أن ينتهي إلى ثلاثة يجعل اللَّفظ مجازا عنده لأنه يقتضي الاستغراق على مذهبه فأي تخصيص عرض فيه اقتضى كونه مجازا فأي فرق في بلوغ التخصيص بين ما نقص عن ثلاثة وبين ما زاد عليها انتهى وحكى في المعالم وشرح العضدي عن بعض القول بأنه يجوز التخصيص إلى أن ينتهي إلى ثلاثة وعن آخر إلى اثنين وأطلقا قال في المعالم حجتهما ما قيل في الجمع أن أقله ثلاثة أو اثنان وكأنهم جعلوه فرعا لكون الجمع حقيقة في الثلاثة أو في الاثنين ثم أجاب عن هذا بأن الكلام في أقلّ مرتبة يخصّص إليها العام لا في أقل مرتبة يطلق عليها الجمع فإن الجمع من حيث هو ليس بعام ولم يقم دليل على تلازم حكمهما فلا تعلَّق لأحدهما بالآخر فلا يكون المثبت لأحدهما مثبتا للآخر انتهى ونحوه ما في شرح العضدي وفي التمهيد قيل يجوز التخصيص إلى أن ينتهي إلى أقل المراتب التي يطلق عليها ذلك اللَّفظ المخصوص مراعاة لمدلول الصّيغة فعلى هذا يجوز التخصيص في الجمع كالرجال ونحوه إلى ثلاثة لأنّها أقل مراتبه على الصحيح وفي غير الجمع كمن وما إلى الواحد فتقول من يكرمني أكرمه وتريد به شخصا واحدا انتهى وفي بعض شروح التهذيب أما إطلاق الجمع المعرف باللام على الواحد كثير انتهى الخامس يظهر من النهاية والمعارج والمنية وغاية البادي والمعالم والمحصول والمحكي عن أبي الحسين البصري أنّه يجوز استعمال العام في فرد من أفراده على سبيل التعظيم والظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه وقد صرّح في النهاية والمعالم وشرح العضدي بخروجه عن محل البحث فلا إشكال في ذلك وعليه إذا انحصر تأويل رواية أو كلام في العام فيها يحمله على الواحد تعظيما وجب صونا لها من الطَّرح واللغو اللازمين على تقدير انحصار التّأويل في ارتكاب التخصيص إلى الواحد بناء على عدم جوازه وكونه قبيحا وإذا دار الأمر في تأويل الرّواية بين حمل العام على واحد من جزئياته تعظيما وبين الحمل على أكثر الجزئيات من باب استعمال العام في الخاص بعلاقة العموم والخصوص أو المشابهة فالأقرب الثاني كما أشار إليه جدي رحمه الله لشيوعه فإنّ المشكوك فيه يلحق بالغالب ولذا وجب الحمل على أقرب المجازات عند تعذر الحقيقة فتأمل وإذا دار الأمر بين التجوز وحمل العام على واحد من جزئياته تعظيما ففي الترجيح إشكال من قوة احتمال كون الأخير من باب التخصيص وقد ثبت أنه إذا دار الأمر بين التخصيص والمجاز كان الأول أولى كما عليه أكثر الأصوليين ومن أنّه لا دليل على كونه المجاز مرجوحا بالنسبة إلى كل تخصيص حتى محلّ البحث وما دل على رجحانه على المختار وهو كونه أغلب منه لا يشمل محل البحث للمنع من كونه أغلب منه بل قد يدعى أن بعض أقسام المجاز أغلب منه نعم قد يقال كلام من قدم التخصيص على المجاز مطلق يعمّ هذا فالتفصيل مستلزم لخرق الإجماع المركب وفيه نظر للشك في انصراف إطلاق كلامهم إلى هذا بل ينصرف إلى الغالب وهو غير محل البحث جدّا هذا كلَّه على تقدير ثبوت إطلاق لفظ التخصيص عليه حقيقة