السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

180

مفاتيح الأصول

عندهم وإن منع منه فلا إشكال فتأمل ثم إنه إذا انحصر التأويل في الحمل على بعض الجزئيات من باب التعظيم ودار الأمر بين الحمل على واحد منها تعظيما أو على اثنين تعظيما فهل يتعين الأخير أو لا فيه إشكال من أنه أقرب إلى المعنى الحقيقي وهو واضح فيترجّح ومن أن التّرجيح بما ذكر يحتاج إلى دليل وهو غير معلوم مع قوة احتمال غلبة الأوّل فتأمل واعلم أن الظاهر أنّه يجوز استعمال العام في واحد من جزئياته باعتبار بعض العلاقات المصحّحة للتجوز كالتشبيه ونحوه ولا ينحصر وجه الجواز في قصد التعظيم ولكني لم أجد لأحد من الأصوليّين نصا على ما ذكر بنفي ولا إثبات السّادس لم أجد أحدا من الأصوليين تعرض لحكم تخصيص العام إلى النّصف بالخصوص ولا حاجة إليه بل يعرف مما سبق السّابع اعلم أن مقتضى إطلاق كلام أكثر الأصوليّين المانعين من جواز انتهاء التخصيص إلى الأقل من النّصف عدم الفرق بين كون التخصيص بالاستثناء وغيره وهو مناف لما ذهبوا إليه من صحة الاستثناء حتى يبقى واحد والتّعارض بين كلامهم في مسألتنا هذه وكلامهم في مسألة الاستثناء من قبيل تعارض العمومين من وجه كما لا يخفى ولكن احتمال تنزيل الإطلاق المذكور على غير الاستثناء في غاية القوة مفتاح إذا ورد عن النّبي صلى الله عليه وآله عام مطلقا وخاص كذلك وكانا متنافيا الظاهر نحو أكرم العلماء ولا تكرم زيدا العالم فإمّا أن يعلم تاريخهما أو لا وعلى الأول فإما أن يكونا مقترنين أو العامّ متقدما أو متأخرا فهاهنا مقامات أربع الأول أن يعلم اقترانهما فالمشهور بين الأصوليين منهم الشّيخ في العدّة وابن زهرة في الغنية والمحقق في المعارج والعلامة في النهاية والتهذيب والمبادي والسّيد عميد الدّين في المنية والآمدي في الإحكام والحاجبي في المختصر على لزوم تخصيص العام بالخاص بل قد حكاه في النهاية والمنية عن المحققين والجمهور خلافا للمحكي في النهاية شاذ فقال إن ذلك القدر من العام يصير معارضا بالخاص وهو ضعيف بل المعتمد ما عليه المعظم ولهم وجوه منها الإجماع المحكي في النهاية وغيره المعتضد بالشهرة العظيمة لا يقال لا نسلَّم كون المسألة إجماعية لوجود الخلاف فيها ودعوى شذوذه ممنوعة فإن المخالف هنا قوم على ما حكاه صاحب غاية البادي نعم المعظم على خلافه ولكن الشهرة ليست بحجة لأنا نقول إنكار كون المسألة إجماعية في غاية الضّعف ومجرد الخلاف وإن كان من قوم لا يقدح في الإجماع ولا يمنع من حجية الإجماع المنقول بخبر الواحد العدل كما هنا خصوصا إذا اعتضد بالشهرة العظيمة ولا يقال سلمنا الإجماع ولكن نمنع حجيته في مثل المسألة لأنا نقول هذا باطل لما بيّنّا في بحث أمارات الحقيقة والمجاز ثم إنا نقول هذه المسألة ظنية ويكتفى فيها بالأمارات الظنية ولا يطلب فيها القطع واليقين وحيث كان كذلك فمجرد الاتفاق بل الشهرة يكفي فيها لبعد اتفاق الكل أو الأكثر على الخطاء القول بلا دليل معتبر حيث لم يكن هناك داع ضروري عليه وقد تقدم تحقيق هذا المطلب في الباب المذكور أيضا ومنها ما أشار إليه في النهاية والفوائد الحائرية من أن العرف يقضي بالتخصيص فإن من قال لعبده إذا دخلت السّوق فاشتر كل اللحم ولا تشتر لحم البقر يفهم منه إخراج لحم البقر من كلامه الأول وشراء غيره إما على سبيل البدل أو أنه لم يرده من لفظ العام لا يقال لو تم هذا فإنما هو فيما إذا كان العام مقدما على الخاص وأما إذا كان بالعكس فلا يفهم التخصيص عرفا ألا ترى أنّه لو قال أكرم زيدا فقال لا تكرم العلماء كان المفهوم النسخ لا التخصيص بلا ريب فلا يكون الدليل وافيا بتمام المدعى فإن المدعى هو الحكم بالتخصيص في الصّورتين كما يشهد به إطلاق كلمات الأصوليين في هذا المقام لأنا نقول نمنع عدم فهم التخصيص في صورة العكس بل الظاهر أنّه المفهوم ولا سيّما إذا كان احتمال النسخ مرتفعا بسبب استحالته كما في مفروض المسألة أو باعتبار بعده كما إذا كانا من أهل اللَّغة ومنها ما أشار إليه في النهاية والإحكام وغيرهما من أن الخاص في دلالته على محلَّه أقوى من دلالة العام عليه وكل ما هو أقوى فهو الرّاجح فتقديم الخاص هو الراجح أما الصغرى فلأن العام يجوز إطلاقه من غير إرادة الخاصّ ولا يمكن ذلك في الخاص وأما الكبرى فظاهرة لأن العمل بالمرجوح وترك الراجح لأجله خلاف المعقول لا يقال لو تم هذا فإنما يتم في نحو أن يقول أكرم العلماء ولا تكرم زيدا العالم لأن الأمر والنهي متكافئان في ظهور الدلالة على الوجوب والحرمة وعدم الصراحة فيزيد الخاص عليه باعتبار الصراحة في مورده وأما في نحو لا يجب إكرام العلماء وأكرم زيدا العالم فلا لأن العام وإن كان في شموله لمورد الخاص ظاهرا لكن لفظة لا يجب المتعلَّقة به صريحة في نفي الوجوب والخاص وإن كان صريحا في مورده لكن لفظه ظاهر في الوجوب فلكلّ وجه قوة وضعف فيجب التوقف لأنا نقول هذا باطل لما ستعرف إن شاء الله ومنها ما ذكره كثير من الأصوليين كالفاضلين والشيخ والسّيد عميد الدّين وصاحب المعالم والعضدي وغيرهم وجعلوه أصلا في الجمع بين المتعارضين وهو أنهما دليلان تعارضا لا يجوز العمل بظاهرهما ولا إهمالهما ولا العمل بظاهر العام فقط ولا إهماله والعمل بالخاص فقط فوجب العمل بالعام في غير محل الخاص والعمل بالخاص في