السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

178

مفاتيح الأصول

ومنها ما ذكره في المعارج والمعالم فقالا وكذلك يقبح قوله أخذت كلّ ما في الصّندوق من الذّهب وفيه ألف وقد أخذ دينارا ومنها ما ذكره في المعالم فقال وكذا قوله كلّ من دخل داري فهو حرّ وكلّ من جاء بك فأكرمه وفسره بواحد أو ثلاثة فقال أردت زيدا أو هو مع عمرو ولا كذلك لو أريد من اللفظ في جميعها كثرة قريبة من مدلوله ومنها غير ذلك وفي هذه الحجة نظر أما أولا فلما بيناه من أن القبح لا يستلزم عدم الجواز لغة وأما ثانيا فلما ذكره في الإحكام فقال وهذه الحجة وإن كانت قريبة من السّداد وقد قلَّده فيها جماعة كثيرة إلَّا أن لقائل أن يقول متى يكون ذلك مستهجنا منه إذا كان مريدا للواحد من جنس ذلك العدد الذي هو مدلول اللَّفظ وقد اقترن به قرينة أو إذا لم يكن الأول ممنوع والثاني مسلَّم ثم تمسّك بوقوع ذلك مع القرينة بقوله تعالى الذين قال لهم الناس وبصحة قول القائل أكلت الخبز ثم قال نعم إذا أطلق اللفظ العام فكان الظاهر منه إرادة الكل أو ما يقاربه في الكثرة وهو مريد للواحد البعيد من ظاهر اللفظ من غير اقتران دليل يدل عليه فإنه يكون مستهجنا انتهى وفيه نظر واضح وأما ثالثا فللمنع من ثبوت القبح في جميع صور عدم بقاء الكثرة القرينة من مدلول العام فالدليل أخصّ من المدعى لا يقال إذا ثبت القبح في بعض الصّور لزم الحكم بعدم الجواز فيه ومنه يلزم الحكم بعدم الجواز مطلقا إذ لا قائل بالفصل من هذه الجهة لأنا نقول هذا معارض بمثله أيضا فتأمل وكيف كان فما استقبح عادة لا يمكن تنزيل خطاب الشرع عليه مطلقا وإن قلنا بالصّحة لغة ولو ورد رواية مشتملة عليه وجب طرحها وإن كانت صحيحة أو تأويلها بما يرتفع معه القبح وإن كان بعيدا وإذا دار الأمر بين التّأويل البعيد والطرح ففي الترجيح إشكال والأقرب اعتبار ما يكون أقوى ظنا وأما إذا كان خطاب غير الشّرع مشتملا عليه كخطاب الموكل والموصي والمقرّ ونحوهم وقلنا بأن ذلك صحيح لغة ففي لزوم التأويل ودفع القبح أو الأخذ بالظاهر إشكال والأقرب ملاحظة العادة فتأمل واعلم أن القائلين باشتراط بقاء كثرة تقرب من مدلول العام لم يحدوها بل صرّح في النهاية والمنية والمحصول والإحكام بأنها غير محدودة ولكن قال في التمهيد واختلفوا في تلك الكثرة ففسّرها ابن الحاجب بأنها التي تقرب من مدلوله قبل التخصيص ومقتضى هذا أن تكون أكثر من النّصف وفسّرها البيضاوي بأن تكون غير محصور انتهى ولو فسّرت بما يرتفع معه قبح التخصيص لم يكن بعيدا الثاني صرح في النهاية والتهذيب والمنية والمحصول وغيرها بجواز انتهاء التخصيص في ألفاظ الاستفهام والمجازات إلى الواحد وادعوا الاتفاق على ذلك بقول مطلق ولم يفصّلوا بين المخصص المتصل والمنفصل وجعلوا محلّ النزاع في المسألة غير ذلك فيجوز أن يقول من دخل داري فله درهم ومن عندك ويريد شخصا واحدا ولكن المستفاد من إطلاق المعارج وغاية البادي والمعالم والتّمهيد والإحكام وشرح العضدي والمنهاج وشرح العبري أن ذلك من محلّ النزاع مطلقا سواء خص بمتّصل أو بمنفصل ويستفاد من المعارج والمعالم والمحكي عن أبي الحسين أنّه يشترط هنا أيضا بقاء كثرة تقرب من مدلول العام والأقرب عندي ما عليه الأوّلون الَّذي ادعي عليه الاتفاق من الجواز لغة وأن فرض لزوم قبح في بعض الصّور فغايته عدم حمل خطاب الشرع عليه لا الحكم بالخروج عن اللَّغة بل لا يبعد القول بجواز تخصيص جميع الألفاظ الموضوعة للعموم إلى الواحد لغة كالاستثناء سواء خصّ بمتصل أو منفصل نعم لا نمنع قبح كثير من صور ذلك وغايته عدم حمل خطاب الشرع عليه وترتب ما يترتب على الاستثناء القبيح عليه ويترتب على الجواز اللغوي ما يترتب على استثناء الأكثر حتى يبقى واحد الجائز لغة واعلم أنّه فصّل العضدي في المسألة تفصيلا لم أجد أحدا صار إليه سوى الفاضل البهائي فقال ذهب الأكثر إلى أنّه لا بدّ من بقاء جمع يقرب من مدلول العام والمختار أنه إن كان التخصيص باستثناء أو بدل جاز إلى واحد نحو عشرة إلَّا تسعة واشتريت العشرة أحدها وإلَّا فلا وإن كان بمتصل غيرهما كالشرط والصفة جاز إلى اثنين نحو أكرم الناس العلماء أو إن كانوا علماء وإن كان بمنفصل فإن كان في محصور قليل جاز إلى اثنين كما تقول قتلت كل زنديق وهم ثلاثة أو أربعة وإن كان غير محصور أو في عدد كثير فالمذهب أنّه لا بد من جمع يقرب من مدلوله فلا يقال من دخل داري فأكرمه ويفسر بزيد وعمرو وبكر انتهى وهل يختص محلّ البحث بالألفاظ الموضوعة للعموم أو يعم جميع ما يفيد العموم سواء كان بالوضع أو بالالتزام أو بغير ذلك فيندرج تحته عموم المنزلة وعموم المفاهيم والعموم الناشئ من ترك الاستفصال وعموم المطلقات وغير ذلك فيه إشكال من إطلاق الأصوليين وقول الشهيد الثاني في التمهيد بعد ما ذكر الخلاف في المسألة وتقييد المطلق كتخصيص العام ومن إمكان دعوى انصراف الإطلاق المذكور إلى العمومات الموضوعة وكيف كان فالمصير إلى جواز تخصيص العمومات المشار إليها خصوصا المطلقات إلى الواحد لغة ولا فرق في ذلك بين المتصل والمنفصل ولم يحضرني الآن