السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
173
مفاتيح الأصول
ويؤيده أن الشيخ في العدّة صرّح بأنّ ذلك لم يوجد مستعملا وفيه نظر فإن العدل الضّابط الثقة أخبر به ولا مكذب له وهو أمر ممكن فيجب قبوله وعدم العلم لا يستلزم العلم بالعدم ومع هذا يؤيّده الحجة الخامسة بناء على قوة احتمال أن يكون المراد من العباد في قوله تعالى إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان المكلَّفين من بني آدم ومن في قوله عزّ وجلّ إلَّا من اتّبعك من الغاوين للبيان وللآخرين أيضا وجوه منها أن قبول الاستثناء خلاف الأصل لكونه إنكارا بعد إقرار خالفناه في استثناء الأقلّ لكونه في معرض النسيان لقلَّة التفات النّفس إليه فوجب قبوله وإلَّا لزم الضّرر وهذا غير موجود في الأكثر فيبقى على أصله وفيه نظر أما أولا فلما ذكره في المنية والإحكام من المنع من كون الاستثناء على خلاف الأصل وزاد في الأخير فقال بل الأصل قبوله لإمكان صدق المتكلَّم به ودفعا للضرر عنه ويجب اعتقاد ذلك حتى لا يكون قبول ذلك في استثناء الأقل على خلاف الأصل وأما ثانيا فلما ذكره في النّهاية والمنية والزبدة والإحكام وشرح العضدي من المنع من كونه إنكار بعد إقرار لأن الاستثناء مع المستثنى منه كاللَّفظ الواحد الدّال على ذلك القدر وزاد في الأخير فقال لما مرّ من أنّه إسناد بعد إخراج فليس فيه حكمان مختلفان ولو سلم فالدّليل متبع انتهى وأمّا ثالثا فلما ذكره في المنية فقال وتعليل قبول استثناء الأقل بكونه في معرض النسيان ممنوع أيضا وإلَّا لقبل غيره كما لو قال له علي عشرة بنقص ثلثه ومنها ما أشار إليه نجم الأئمة فإنه قال بعد الإشارة إلى القول بامتناع استثناء النصف والقول بامتناع استثناء الأكثر ولعلّ المانعين في الصّورتين توهّموا أن المتكلَّم متجوّز في ذكر المستثنى منه بأن يذكر لفظا ويريد به البعض ثم يرجع إلى التحقيق فيخرج ما توهم المخاطب دخوله في لفظ ذلك الكلّ يسمّى التسعة عشرة ثم يعود إلى التحقيق فيخرج الواحد إزالة توهّم السامع ولا يجوز أن يطلق اسمه على نصفه وأبعد منه أن يطلق على أقلّ من نصفه انتهى وفيه نظر لابتنائه على القول المحكي عن الأكثر في تقدير الاستثناء من أنّ المراد من المستثنى منه البعض مجازا بقرينة الاستثناء وأمّا على القول بأن المجموع المركب من المستثنى منه والمستثنى وأداة الاستثناء يدلّ عليه فلا وكذا على القول بأن المراد منه المعنى الحقيقي وأن إسناد الحكم أنما هو بعد الإخراج وهو خيرة العلامة والسّيّد عميد الدّين ونجم الأئمة كما لا يخفى وقد أشار إلى هذا نجم الأئمة ومنها أنه لو قال له علي عشرة إلَّا تسعة دراهم ونصف وثلث درهم يعد مستهجنا وقبيحا وركيكا وما هو إلَّا لأنه استثناء الأكثر فيدلّ على عدم جوازه إذ كل جائز لا يكون قبيحا وفيه نظر لما ذكره في النهاية والزبدة والإحكام وشرح المختصر للعضدي من أن استقباحه يستلزم عدم صحّته كما لو قال له علي عشرة إلَّا دانقا ودانقا ودانقا إلى أن عد عشرين دانقا والمجموع ثلث العشرة فإنه يستقبح ويقال كان الواجب أن يقول إلَّا عشرين دانقا ومع ذلك فالعبارة صحيصة ويسقط عنه عشرون دانقا وإنما قبح لتطويل تعسّر ضبطه مع إمكان الاختصار الأسهل وأيضا نقول لو ادعيتم قبح استثناء الأكثر في جميع موارده منعناه وإن ادعيتم في الجملة وفي بعض الموارد سلمناه ولكن لا ينفعكم لظهور أن ذلك ليس من جهة الوضع وإلَّا لاطرد ولا يمكن التفصيل وتخصيص المنع بصورة القبح والجواز بصورة عدمه لظهور اتحاد الوضع النوعي وعدم القائل بهذا التفصيل فتأمل وقد أشار إلى ما ذكر السّيد الأستاذ أيضا ومنها أن حكمة الاستثناء موجودة في الأقل دون الأكثر بيانه أن الاستثناء أنما يفعل للاستدراك والاختصار والأول أن يظنّ الإنسان أن لزيد عليه عشرة فيقرّ ويذكر في الحال أن له عليه تسعة فيستثني درهما والثاني أن يستطيل الإنسان أن يقر بتسعة دراهم وخمسة دوانيق فيقر بعشرة إلَّا دانقا وليس من الاختصار أن يقول لزيد عليّ ألف درهم إلَّا تسعمائة وتسعة وتسعين وليس من العادة أن يكون على الإنسان درهم فيظن أن عليه ألف درهم ثم يذكر في الحال أن عليه درهما ويستدرك ذلك بالاستثناء وفيه نظر للمنع من خلو استثناء الأكثر من الحكمة بل قد يترتب عليه الحكمة كما أشار إليه في النهاية سلمنا ولكن نمنع من استلزام الخلو عن الحكمة عدم الصّحة وإلَّا لكان كلّ كلام لغو غير متضمن للحكمة خارجا عن اللَّغة وهو باطل قطعا ومنها أن استثناء الأكثر لو كان صحيحا لوقع في اللَّغة والتالي باطل لأنه لم يوجد فيها استثناء الأكثر فالمقدم مثله وجه الملازمة أنّه يبعد عادة عدم وقوع ما هو صحيح لغة وأجاب عنه في العدة والذّريعة فقال هذا غير صحيح لأنه ليس كلّ شيء لم نجدهم فعلوه لا يجوز فعله ألا ترى أنا ما وجدناهم يستثنون النّصف وما قاربه وإن كان جائزا بلا خلاف وزاد الثاني فقال وليس كلّ شيء هو الأحسن لا يجوز خلافه لأن الأحسن عندهم تقديم الفاعل على المفعول ثم لم يمنع ذلك من خلافه انتهى والمسألة لا تخلو من إشكال إلَّا أن القول الأول الَّذي عليه المعظم من كون الاستثناء المفروض جائزا وغير لحن ولا خارج عن اللغة هو الأقرب وينبغي التنبيه على أمور الأوّل لا إشكال على المختار في صحّة الإقرار والوصيّة والوكالة ونحوها المتضمّنة