السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
172
مفاتيح الأصول
ودليله قوله تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلَّا من اتّبعك من الغاوين ومن هاهنا بيانية لأن الغاوين كلَّهم متبعوه فاستثنى الغاوين وهم أكثر من غيرهم بدليل قوله تعالى وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين دل على أن الأكثر ليس بمؤمن وكلّ من ليس بمؤمن غاو ينتج أن الأكثر غاو وفيه نظر من وجوه الأول ما ذكره في الرّياض وبعض شروح التهذيب من أن الاستدلال بذلك هنا يتوقف على أنّ المراد من العباد هو الناس فقط وهو مع إفادة اللَّفظ العموم اللَّغوي في حيز المنع فيشمل الملائكة وغيرهم من عباد اللَّه وما بقي من المستثنى منه على هذا التقدير أكثر من المستثنى قطعا ولا ينافيه نفي الإيمان من أكثر النّاس في الآية الأخيرة إذ نفيه عن أكثرهم لا يستلزم النفي عن أكثر العباد لا يقال الظاهر من قوله تعالى عبادي من يمكن تسلَّط الشيطان عليه بإغوائه والملائكة ليسوا كذلك فلم يكونوا داخلين في المستثنى منه وقد نبه على هذا بعض المحققين لأنا نقول هذا باطل لاستلزامه خروج المعصومين عليهم السلام من الأنبياء والأوصياء من مورد الآية الشريفة لعدم إمكان سلطنة الشيطان عليهم وهو بعيد جدّا مخالف لظاهر اللَّفظ المفيد للعموم فالمراد جميع من يسمّى عبدا فيشمل الملائكة والجن وجميع أفراد الإنس من المكلَّفين وغيرهم من الأطفال والمجانين فيكون الباقي بعد الاستثناء في الآية الشريفة أكثر إلَّا أن يدعى أن لفظ العبد لا يطلق على الملائكة والأطفال والمجانين وإن تحقق معناه فيهم وحينئذ يلزم استثناء الأكثر وفيه تأمل بل الظاهر صحة الإطلاق المزبور على أولئك حقيقة فلا يلزم ذلك لكن على هذا يلزم استثناء الأكثر في قوله تعالى حكاية عن إبليس فبعزّتك لأغوينهم أجمعين إلَّا عبادك منهم المخلصين لأنّ المستثنى في هذه الآية الشريفة هو الباقي بعد الاستثناء في الآية الأولى فإذا سلم كون الباقي بعد الاستثناء في الآية الأولى أكثر لزم كون المخرج في الآية الثانية أكثر من الباقي فيتم دعوى تحقق استثناء الأكثر في القرآن وفيه نظر لأن المستثنى في الآية الشّريفة الثانية ليس من عد الغاوين الشامل للأطفال والمجانين وهو الباقي بعد الاستثناء في الآية الأولى بل المستثنى فيها العباد المخلصون وهم أقلّ من غير المخلصين لا يقال يلزم على هذا أن يكون جميع من عدّ المخلصين غاوين فيلزم تحقق الغاوية في الأطفال والمجانين وهو باطل لأنا نقول هذا مدفوع بما ذكره السيّد عميد الدّين فإنه قال نمنع من انحصار العباد في المخلصين والغاوين والآية الثّانية غير دالة على ذلك لأنه ليس كل ما حلف إبليس لعنه الله على فعله يكون واقعا سلمنا لكن العقل دال على أن غير المكلَّفين من الأطفال والمجانين داخلون في العباد خارجون عن القسمين انتهى الثاني ما أشار إليه السيّد عميد الدّين فإنه قال بعد ما نقلنا عنه سابقا سلمنا الحصر لكن المستثنى في الآية الأولى ليس مطلق الغاوين بل من اتبع إبليس لعنه الله منهم فجاز أن يكون بعض الغواة غير متّبع لإبليس لعنه الله كإبليس نفسه وحينئذ لا يبقى في الآيتين دلالة على بطلان ما ذهب إليه القاضي لاحتمال كون الغاوين المتبعين لإبليس لعنه الله أقلّ من باقي العباد والمخلصين أيضا كذلك فيكون المستثنى في الآيتين جميعا أقل من الباقي انتهى لا يقال يتوقف هذا على كون من في قوله تعالى من الغاوين للتّبعيض وهو ممنوع بل بيانية لأنا نقول لا دليل على كونها بيانية بل جعلها للتبعيض أولى لأنها لو كانت بيانية لزم التأكيد والأصل عدمه فتأمل الثالث ما أشار إليه السيّد عميد الدّين فقال يحتمل أن يكون الاستثناء من السّلطان المنفي لا من العباد فيصير تقدير الكلام أن عبادي لا سلطان لك عليهم إلَّا من اتبعك من الغاوين فإنهم سلطانك على العباد كما يقال إن أصحابي ليس لك عليهم ظهير ولا مساعد إلَّا عشيرتك انتهى وفيه نظر فإنه خلاف الظاهر كما ذكره والدي العلامة مع أنّه يلزم على هذا إضمار استثناء آخر إذ ليس له ولأتباعه سلطان على المعصومين عليهم السلام الرابع ما ذكره في الإحكام من أن الغاوين وإن كانوا أكثر من العباد المخلصين لكن لا نسلَّم أن إلَّا في قوله تعالى إلَّا من اتبعك للاستثناء بل هي بمعنى لكن وفيه نظر الخامس ما ذكره في الإحكام فقال سلَّمنا أنها للاستثناء ولكن إنما نمنع من استثناء الأكثر إذا كان عدد المستثنى والمستثنى منه مصرّحا كما إذا قال له علي مائة إلَّا تسعة وتسعون درهما وأما إذا لم يكن مصرّحا به كما إذا قال خذ ما في الكيس من الدّراهم سوى الزيوف منها فإنه يصح وإن كانت الزّيوف في نفس الأمر أكثر في العدد كما إذا قال جاءني بنو تميم سوى الأوباش منهم فإنه يصحّ من غير استقباح وإن كان عدد الأوباش منهم أكثر انتهى واعترض عليه فقال وفيه نظر لأنّه عين المتنازع ومنها ما تمسّك به الفاضل البهائي فقال لنا على الجواز ما وقع في الحديث القدسي كلَّكم جائع إلَّا من أطعمته فإن فيه استثناء الأكثر كما لا يخفى انتهى وفيه نظر لضعف الرّواية سندا وقصورها دلالة كما لا يخفى ومنها ما تمسك به في المسالك والروضة فقال الأصح الجواز مطلقا لأن المستثنى والمستثنى منه كالشئ الواحد فلا تفاوت الحال في الجواز لقلته وكثرته ولوقوعه في القرآن وغيره من اللفظ الفصيح العربي انتهى وفيه نظر للمنع من عدم تفاوت الحال وإن هو إلَّا محض الدّعوى والوقوع لغة غير مسلم