السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
16
مفاتيح الأصول
فكيف يكتفي بالجزء الأخير ولا يقال يلزمكم أن يكون المتكلم والمخبر موضوعين للذات المتلبسة بالمبدأ في الماضي لا للمعنى الأعم منه ومن الحال وهو خلاف الإجماع لأنا نقول لم لا يجوز أن يكون موضوعا للمعنى الأعم ولكنه انحصر في فرد وهو الماضي لامتناع وجود الفرد الآخر كلفظ الجلالة على القول بأنه كلي نعم يمكن أن يجاب عن هذه الحجة بما ذكره الحاجبي والعضدي وغيرهما من أن المعتبر المباشرة العرفية كما يقال تكتب القرآن وتمش من مكة إلى المدينة ويراد به أجزاء من الماضي ومن المستقبل متصلة لا يتخلَّلها فصل يعدّ عرفا تركا لذلك الأمر وإعراضا عنه ونظير هذا ما قالوه في لفظ الارتماس والتعقيب والفور من أن المراد ما يسمّى في العرف ارتماسا وتعقيبا وفورا تأمل ولكن قد يذب عن هذا بأنا نجد صدق نحو المتكلم والمخبر على من لم يكن مباشرا بهما عرفا حقيقة ولذا لو أتى العبد بمن تكلم وأخبر سابقا بعد قول السيد ائتني بالمتكلم بهذا الكلام والمخبر بهذا الخبر كان ممتثلا عرفا قطعا فتأمل على أن الظَّاهر من جماعة أن القائل بالحال لا يريد بالمباشرة العرفية بل الحقيقة فتكون الحجة المزبورة ناهضة في ردّه التاسع أن المشتق لو كان حقيقة في الحال لما جاز الاستدلال بنحو عموم الزانية والزاني والسارق والسّارقة على وجوب حد الزاني والسّارق الذين يتحقق منهما الزنا والسرقة بعد زمن الخطاب والتالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فلأن اللازم على تقدير الوضع للحال حمل قوله تعالى الزاني والسارق على المتصف بالزنا والسّرقة حال الخطاب ونزول الآية الشريفة فلا يشملان من اتصف بهما بعد النزول وأما بطلان اللازم فلا يخفى ولذا ترى العلماء قديما وحديثا يستدلون بنحو هذه الإطلاقات في مقام إثبات حكمها لمن كان بعد الخطاب وقد يناقش في هذا الوجه من وجوه الأول أن غاية ما يلزم منه كون المشتق حقيقة في المعنى الأعم إذا كان محكوما عليه وأما إذا كان محكوما به فليس فيه دلالة على وضعه أيضا لذلك ولا يمكن دعوى الإجماع المركب في هذا المقام لوجود القول بالفصل بين الأمرين بل صرّح الشهيد الثاني والأسنوي كما عن القرافي بأن محل النزاع في المسألة هو المحكوم به دون المحكوم عليه الثاني أنه على تقدير القول بالوضع للمعنى الأعم من الماضي والحال لا يلزم منه أيضا جواز الاستدلال بنحو تلك العمومات على ذلك لأن اللازم على هذا التقدير حمل قوله تعالى الزاني والسارق على من تحقق منه المبدأان إما حال الخطاب أو قبله لا على من يتحقق منه المبدأان فالشرطية مقلوبة على القائل بالوضع للأعم الثالث إنا نمنع من بطلان اللازم إذ يجوز الاستدلال مع فرض كونه حقيقة في الحال وذلك إما باعتبار اتحاد المكلفين في التكليف أو باعتبار قيام قرينة على إرادة المعنى المجازي المصحّحة للاستدلال الرابع أن الملازمة أنما تتوجّه لو فسّر الحال في كلام القائل بالوضع له بحال النطق وأما إذا فسّر بحال التلبس كما عن العضدي وغيره فلا لأن معنى وضعه للحال حينئذ أنه وضع ليدل على الذات المتلبسة بالمبدأ ووجوده فيها فحينئذ يتعلق الحكم بكلّ من له هذا المبدأ حين وجوده فيه سواء كان في زمن الخطاب موجودا أو يصير بعده موجودا وليس هذا من إطلاق المشتق وإرادة الاستقبال منه بل من تعليق الحكم على ماهيّة يتحقق أفرادها تدريجا وهو مثل شمول الخطاب المتضمن لتعليق الحكم على اسم الجنس نحو البيع حلال والماء طاهر للأفراد التي تحققت بعد زمن الخطاب وأما ما هو من قبيل إطلاق المشتق وإرادة الاستقبال منه فهو أن يطلق العالم على شخص في الآن بأن يقال هذا عالم ويكون الوجه في الإطلاق صيرورته عالما فيما بعد والفرق بين الأمرين جليّ فإن الإطلاق لا يكون في القسم الأخير إلا باعتبار الصفة الحاصلة في المستقبل بخلاف القسم الأول فإن الإطلاق فيه لا يكون إلا حين الصفة وقد يقال هذا حسن لكن حكي عن ظاهر أكثر العبارات وصريح بعض أن المراد بالحال حال النطق لا التلبس فالشرطية حينئذ تنهض حجة على القائل بالوضع للحال ولا يجوز القلب على القائل بالوضع للأعم لجواز أن يريد من الحال حال التلبس ومن الماضي الماضي المقابل للحال بهذا المعنى فيصحّ الاستدلال بتلك العمومات حينئذ على ذلك وأما منع بطلان التالي باحتمال المجازية فشئ لا يليق بأن يلتفت إليه وقريب منه القول بالتفصيل في المسألة بنحو ما ذكر إذ الظاهر أنه قول جديد لم يقل به المتقدمون وهو ناش من الفرار عن الشرطية المزبورة ثم إنه لو سلم أن المراد من الحال حال التلبس فيقال علي هذا يلزم سقوط الاستدلال بالعمومات السّابقة غالبا لأن اللازم على هذا التقدير تعلق حكمها بمن كان المبدأ فيه وحملها عليه فلا يشمل من تحقق منه المبدأ وانقضى فلا يستفاد من قوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا إلا وجوب جلد من هو مشغول بالزنا ومعلوم أن إجراء الحد حينئذ متعذر غالبا إما لعدم الاطلاع على الاشتغال بالزنا أو لعدم إمكان إجراء الحدّ لتوقفه على أسباب غير حاصلة في ذلك الوقت وأما بطلان اللازم فواضح قطعا لا يقال وجوب الحد يتعلق حين الاشتغال بالزنا فيستصحب إلى ما بعده كما أن الحكم بالنجاسة في الماء المتغير يتحقق حين حصول التغير ويستصحب إلى ما بعد التغيير لأنا نقول أولا هذا استدلال بالاستصحاب بالعموم والمعروف من طريقتهم أنه من باب الاستدلال بالعموم