السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
17
مفاتيح الأصول
وثانيا أنه إنما يتم فيما إذا تحقق الحكم بالوجوب حين الاشتغال بالزنا وإذا لم يتحقق كما إذا لم يتمكن من إجراء الحدّ في ذلك الحين لعدم الاطلاع على الموجب فلا يتم ذلك وثالثا أن شرط الاستصحاب بقاء موضوع الحكم وهنا غير باق لأن موضوع الحكم فيه هو الزاني المتلبس بالزنا لأنه المفروض ومعلوم أنه بعد الفراغ من الزنا لا يسمى بذلك الاسم فلا يبقى موضوع الحكم فلا يمكن إجراء الحكم عملا بالاستصحاب كما لا يمكن إجراء الحكم بنجاسة الكلب إذا صار ملحا بالاستصحاب فإن قلت كيف تجري بالاستصحاب الحكم بالنجاسة بعد التغيير في الماء المتغيّر قلت لأن الحكم بالنجاسة هنا لم يتعلق بالماء المتغير بل بالماء بسبب التغير وهو لا يختلف باعتبار التغير وعدمه وذلك لأن النص الدال على نجاسة الماء المتغير بهذا المضمون إذا تغير الماء فهو نجس وهذا يقتضي ما ذكرنا نعم إذا قال الشارع الماء المتغير نجس لكنّا نقول بعدم جواز إجراء الاستصحاب حينئذ ومن هنا ظهر قاعدة وهي أن الشارع إذا قال إذا زنى مثلا وجب الحد جاز التمسك باستصحاب وجوب الحد بعد الزنا وإذا قال الزاني يجب حدّه وقلنا إن المشتق حقيقة في الحال لم يجز التمسك به لأن الموضوع في الحكم الأول لم يتغير وفي الثاني تغير وهو واضح العاشر أن المعنى الأعم مما يشتد الحاجة إلى التغير عنه فيلزم أن يكون بإزائه لفظ موضوع وليس إلا محل البحث وقد يعارض بأن المعنى الأخص الذي يدعي الخصوم وضع لفظ بإزائه كذلك ولا ترجيح وقد يجاب بأن الوضع للأعم تقضي الحاجتين بطريق سهل ولا كذلك الوضع للأخص والشاهد على ذلك غلبة أسماء الأجناس والألفاظ الموضوعة للمفاهيم الحادي عشر الخبران في أحدهما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إنا دعوة إبراهيم قال قلت كيف صرت دعوة أبيك إبراهيم قال إنه تعالى أوحى إلى إبراهيم أني جاعلك للناس إماما فاستخف به الفرج فقال يا رب ومن ذريتي أئمة مثلي فأوحى الله عز وجل يا إبراهيم عهدي أن لا أعطيك عهدا إلا أفي لك قال يا رب وما العهد الذي لا تفي به قال لا أعطيك لظالم من ذريتك عهدا فقال إبراهيم عندها واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام ربّ إنّهنّ أضللن كثيرا من الناس فانتهت الدّعوة إليّ وإنّي وعلي لم نسجد الصّنم واتّخذني نبيّا واتخذ عليا وصيّا وفي الآخر قال أبو عبد الله عليه السلام وقد كان إبراهيم عليه السلام نبيّا وليس بإمام حتى قال اللَّه تعالى إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي فقال اللَّه لا ينال عهدي الظالمين من عبد وثنا أو صنما لا يكون إماما والوجه في الاستدلال بهذين الخبرين في محل البحث أنهما دلا على أن من تحقق منه عبادة الصنم في الزمان الماضي لا يصلح للإمامة لقوله تعالى لا ينال عهدي الظالمين وهذا الاستدلال لا يتم إلا على تقدير كون الظالم للمعنى الأعم وهو واضح وقد يناقش فيهما سندا بل ودلالة وللآخرين وجوه الأول صحّة السّلب إذ يصحّ فيمن انقضى منه الضرب أن يقال إنه ليس بضارب الآن الثاني أنه لو كان موضوعا للمعنى الأعم لصحّ أن يقال للقاعد المنقضي عنه القيام إنه قائم وبالعكس وللحلو المنقضي عنه الحلاوة وبالعكس وهو باطل قطعا الثالث أنه لو كان حقيقة في ذلك لما جاز الاستدلال بقوله عليه السلام الماء طاهر على طهورية الماء في هذه الأزمنة لاحتمال إرادة أنه كان طاهر إلا أنه في الحال طاهر لأن اللفظ الموضوع للمفهوم الكلي إذا وقع خبرا كان مجملا فإنك إذا قلت زيد عالم لم يفهم أنه عالم بعلم الفقه أو الكلام واللازم باطل جدا ولا كذلك الأمر لو كان موضوعا للذات المتلبسة بالمبدأ في الحال قطعا الرابع أن المتبادر منه الذات المتلبسة بالمبدأ في الحال فإنه لا يفهم من قوله رأيت حسنا أو جريحا أو مهموما أو تقيا أو صالحا أو زاهدا إلا المتصف بالمبدأ في الحال وقد شهد بتبادر ذلك جماعة منهم المحقق الخوانساري ويمكن الجواب عن الجميع أما عن الأول فبأن قيد الآن إن كان النفي بمعنى أنه يصدق الآن ليس بضارب فصحة ذلك ممنوعة كيف وهي عين النزاع وإن كان للمنفي وهو ضارب بمعنى أنه يصدق أنه ليس بضارب الآن فالصّحة مسلمة لكنها لا تجدي لأن غاية ذلك سلب الأخص وهو لا يستلزم سلب الأعم كما أن قولهم إن الإنسان ليس بحيوان مفترس لا يدل على أنه ليس من أفراد الحيوان مطلقا وأما عن الثاني فبأن الأمثلة المزبورة ليست من محل النزاع لأن محل النزاع انقضاء المبدإ وعدم طروّ الضّد الوجودي وفي الأمثلة قد طرأ الضد الوجودي وقد صرّح بما ذكرنا من اختصاص محل النزاع بما إذا لم يطرأ الضدّ الوجودي الشهيد الثاني وبعض شرّاح الزبدة والأسنوي وصاحب جمع الجوامع وغيرهم بل حكاه بعض عن كثير من كتب الأصول قال حتى أن كلام الآمدي في أثناء الاحتجاج يدل عليه انتهى وقد حكى الأول عن المحصول دعوى الاتفاق على المجازية فيما إذا طرأ الضد الوجودي وحكى هذه الدعوى في جمع الجوامع عن بعض ومما ذكر يظهر الوجه في عدم جواز تسمية المؤمن بالكافر باعتبار كفره السابق ومع هذا فقد قيل إن الشارع منع منها وقد يناقش فيما ذكر بالمنع من الخروج عن محل البحث وإن صرح به الجماعة لتصريح شارح جمع الجوامع بالدخول وكذا صرّح به المحقق الخوانساري وقال وأنت خبير بأن التخصيص الذي ذكره الشهيد الثاني جيّد لكن ليس فيما رأينا من كتب الأصول أثر منه