السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
161
مفاتيح الأصول
يسقط هذا السّؤال انتهى وفيه نظر للمنع من صحّة هذه المعارضة لأن طرح الأخبار المذكورة لعلَّه لعدم اشتمالها على الشرائط المعتبرة في حجية خبر الواحد ومن الظاهر أن كل من يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يدعي جوازه بكل خبر وبطريق الإيجاب الكلي بل يدعي جوازه في الجملة وبطريق الإيجاب الجزئي فلا تعارض بين ما فعلوه من تخصيص عموم الكتاب ببعض أخبار الآحاد في بعض المقامات وما فعلوه من طرح بعض أخبار الآحاد في مقابلة عام الكتاب اللَّهم إلَّا أن يدعى أن ما طرحوه من الأخبار كان جامعا لجميع شرائط حجية خبر الواحد فيتجه حينئذ المعارضة ولكن ذلك غير معلوم نعم قد يقال إن تعليل الطرح بأنا لا ندري أصدقت إلى آخره ظاهر في أن خبر الواحد لا يصلح لتخصيص عام الكتاب مطلقا فمعه لا يمكن دعواهم الاتفاق على تخصيص الكتاب بخبر الواحد إلَّا أن يقال هذا التعليل ليس من جميع الصحابة وهو منه لا يدل على اختياره عدم جواز التخصيص وفيه نظر وبالجملة اتفاق الصّحابة على تخصيص عام الكتاب بخبر الواحد غير معلوم فلا ينهض الحجة المذكورة لإثباته نعم لو ادعي اتفاق أصحابنا القائلين بخبر الواحد على ذلك لم ينكر لأني أراهم في كتبهم الفقهية متفقين عليه وما وجدت إلى الآن أحدا منهم يطرح بسبب مخالفته لعام الكتاب مع كثرة الأخبار المخالفة لعام الكتاب والشيخ والمحقق وإن أنكرا تخصيص الكتاب بخبر الواحد في الأصول ولكنّهما صارا إليه في الفقه يشهد بذلك كتبهم وقد نبّه على ما ذكرناه السيّد الأستاذ رحمه الله فقال العمدة في حجية خبر الواحد عمل الأصحاب وإجماعهم على ذلك وهو حاصل في الأخبار المخصّصة لعمومات الكتاب فلا وجه لتخصيصه بغيرها انتهى وممّا ذكر يظهر وجه المناقشة في منع الشيخ في العدة من اتفاق الطائفة على تخصيص عام الكتاب بخبر الواحد فتأمل ومنها ما تمسك به في النهاية والمنية والمعالم والمحصول والمنهاج وشرحه للعبري من أنّ عام الكتاب وخبر الواحد دليلان تعارضا وخبر الواحد أخص ومتى كان كذلك وجب العمل بالخبر مطلقا وبالعام فيما عدا صورة التخصيص أما الأوّل فلما ذكره في المحصول فقال إنما قلنا إنهما دليلان فلأنا نتكلم على تقديره ومراده أن محل البحث خبر الواحد الَّذي يكون حجة في نفسه وجامعا لشرائط الحجيّة لا مطلق خبر الواحد وأما الثاني فلأنه المفروض وأما الثّالث فلما ذكره في المنية من أنه لولا ذلك لزم إما إبطال الدّليلين أو إعمالهما أو إعمال أحدهما مطلقا وإهمال الآخر كذلك والكل محال أما الأول فلما فيه من إبطال الدليل الخالي عن المعارض وذلك من وجهين أحدهما أن ما عدا الخاص من جزئيات العام لا معارض له لعدم تناول دليل خاص إياه وثانيهما أن إبطالهما معا ملزوم لإبطال كل منهما فيبقى الآخر بغير معارض وأما الثاني فلاستلزامه التناقض في صورة مدلول الخاص وأما الثالث فلاستلزامه إبطال الدّليل الخالي عن المعارض إن كان المعمول به الخاص والملغى العام أو تقديم المرجوح على الرّاجح إن كان العكس لأن دلالة الخاص على محلَّه أرجح من دلالة العام انتهى لا يقال لا نسلَّم كون خبر الواحد دليلا عند معارضته لعام الكتاب وثبوت كونه دليلا في الجملة لا يستلزم أن يكون دليلا مطلقا وقد صرح بذلك في المعارج والعدة القائلين لا نسلَّم أن خبر الواحد دليل على الإطلاق لأن الدّلالة على العمل به الإجماع على استعماله فيما لا يوجد عليه دلالة فإذا وجدت الدلالة القرآنية سقط وجوب العمل به وصرّح بذلك أيضا في الذّريعة لأنا نقول هذا باطل لأنه إنما يتمّ على تقدير انحصار الدليل على حجية خبر الواحد في الإجماع ونحوه وهو باطل بل الحق عندي أن عمدة الدّليل على حجيّة خبر الواحد ما تقرر عندي وفاقا لجماعة من أصالة حجيّة الظن وعلى هذا فلا شكّ في كون خبر الواحد المعارض لعام الكتاب دليلا حيث تعارض الدليلان المفيدان للظن وجب الرجوع إلى المرجحات وأعظمها وأعلاها على الأصل المذكور ما أفاد الظنّ الأقوى بالواقع وعليه يجب ترجيح الخبر إذ لا شك ولا شبهة في أن الظنّ بالحكم الواقعي الحاصل منه أقوى من الظن الحاصل من عام الكتاب به لا يقال يلزم على هذا الحكم بجواز نسخ الكتاب بخبر الواحد والحكم بتخصيصه بالقياس إذا حصل الظن الأقوى منهما وهو باطل لأنا نقول لولا الدليل المعتبر على منع الأمرين لكنّا نقول بهما وحيث لم يقم دليل معتبر على عدم جواز تخصيص عام الكتاب بخبر الواحد وجب الرجوع إلى الأصل المذكور وبالجملة لا شك ولا شبهة في أن الواجب الحكم بتخصيص عام الكتاب بخبر الواحد الجامع لشرائط الحجيّة على القول بأصالة حجيّة الظنّ كما هو التحقيق نعم يلزم على مذهب من صار إلى لزوم العمل بالظنون المخصوصة والأسباب الشرعية مع حجية خبر الواحد في هذا المقام والأخذ بعام الكتاب لعدم قيام دليل معتبر على حجيّة الأوّل في خصوص الفرض وثبوت حجيّة عام الكتاب مطلقا ولعلّ بناء الجماعة المتقدم إليهم الإشارة على هذا ولكن هذا المذهب خلاف التحقيق ومع ذلك فقد يقال لا نسلَّم ثبوت حجيّة عام الكتاب مطلقا