السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

141

مفاتيح الأصول

اللَّازم إذا ورد عليهم نهي أن لا يحكموا بالدّوام فيه وأن يتوقفوا حتى يظهر لهم القرينة ونحن نعلم من أحوالهم أنهم يحكمون في كلّ نهي بالدّوام على اختلاف الأحوال ومن طبقة بعد طبقة وفي زمان بعد زمان وبأن الاستدلال منهم على ذلك قد شاع وذاع وملأ الأقطار ولو كان من حيث إنّه مذهب لهم لأنكر البعض إذ لا يجب عليه التزام مذهب غيره انتهى وقد يجاب عن احتمال استناد فهم العلماء المستدلَّين بالنهي على الدّوام إلى القرينة بوجهين أحدهما أنّه بعيد عادة وجود القرينة الموجبة لفهم أمر حادث لم يقم عليه دليل فالأصل عدمها لا يقال كما أن الأصل عدم القرينة كذلك الأصل عدم علمهم بالوضع للدّوام لأنا نقول هذا باطل بعد القطع بعلمهم بالوضع في الجملة كما لا يخفى فتأمل ولا يقال غاية ما يستفاد كون المناهي الشرعية للدّوام لا مطلقا فالدّليل أخص من المدّعى لأنا نقول أخصية هذا غير قادحة لإمكان التتميم بأصالة عدم النقل المعتضدة بمصير المعظم إلى عدم الفرق بين المناهي الشرعيّة وغيرها كما لا يخفى ولا يقال لعل المستند لهم في فهم الدّوام الدّلالة الالتزاميّة وهي غير محلّ البحث لأنا نقول الظاهر حيث يدور الأمر بين كون السبب في الفهم الدّلالة التضمنية أو الالتزامية هو الأول مع أن الدلالة الالتزامية تستلزم سبق خطور المعنى المطابقي بالبال وهو هناك مشكوك فيه فالأصل عدمه فتأمل ومنها ما أشار إليه الشارح الجواد حاكيا التمسك به عن الشيخ البهائي فإنه قال وفي الحاشية على المطلوب دليل آخر غير مشهور تقريره أن ترك الفعل في وقت من الأوقات أمر عادي للمكلَّف غير محتاج إلى النّهي فلو لم يكن للدّوام لكان صدوره عن الناهي عبثا فإن قلت العبثية غير لازمة وإنما يلزم لو لم يكن النّهي مقتضيا للفور قلت فقد نقلنا عن العلامة والفخري من يقول بعدم الدّوام يجوز التراخي فالعبثية لازمة لكن يمكن أن يقال التّرك عادي والامتثال أنما يترتب على النّهي وبه يحصل الثواب فأين العبثية ثم قال الفاضل الجواد بعد حكاية ما ذكر عن الشيخ البهائي أقول هنا شيء وهو أن القائلين بعدم الدّوام منهم من ذهب إلى أنّه للمرة فقط ومنهم من يجعله مشتركا بينهما وبين التكرار بحيث يتوقف العلم بأحدهما على دليل من خارج كما في الأمر ثم إن من قال بأن النهي لا يفيد الانتهاء في الوقت الَّذي يلي وقت النطق وحينئذ فلا عبثية على مذهبهم وأمّا من يجعل مشتركا فإنه يتوقف في الانتهاء إلى أن يظهر دليل وحينئذ فلا يلزم من كون الترك في بعض الأوقات عاديا العبثية على تقدير النهي انتهى وفي حاشية الشيخ محمّد على المعالم بعد الإشارة إلى الحجة المذكورة وما أشار إليه في الزبدة بقوله لكن يمكن أن يقال إلى آخره فإن قلت من أين اعتبار قصد الامتثال في النهي ولم يعتبروه ولو كان معتبرا فهل هو النيّة المعتبرة عند الفقهاء أو غيرها فإن كان النية فهي غير معتبرة إلَّا في العبادات وإن كان غيرها فلا دليل عليها قلت لنا أن نقول هي النية واعتبارها لأجل الثواب مذكور في كلامهم صريحا وحينئذ فإذا أريد الثواب قصد الامتثال فإن قلت نحن نرى مدح الشخص على عدم الزّنا وإن لم يعلم أنّه قصد الامتثال ولو كان القصد معتبرا لزم توقف المدح عليه قلت نلتزم ذلك ولا يكون المدح مستحقا إلَّا به كما يشهد به الوجدان ولا يكاد ينكره الإنسان وفرض المدح من الجاهل بحقيقة الحال يوجه به في مواطن الاستدلال فينبغي التأمل في ذلك فإنّه حريّ بالتأمل انتهى ومنها ما ذكره العلامة في النهاية فقال المفهوم من عرف اللَّغة التناقض بين قولنا لا تضرب وبين قولنا اضرب لاشتمال لا تضرب على كلّ مفهوم اضرب وزيادة حرف النهي وقولنا اضرب يفيد المرة ولو كان لا تضرب كذلك لم يتناقضا فيجب العموم فيه ثم قال قيل عليه إن أردت بدلالة الأمر والنّهي على مفهومين متناقضين ودلالة الأمر على الإثبات والنهي على النفي فمسلم لكن ذلك لا يوجب التناقض إلَّا مع اتحاد الوقت لأن صدق الإثبات في وقت والنفي في وقت آخر لا تناقض بين الإثبات في وقت والنفي في آخر كذا لا تناقض بين المطلقين انتهى وقد يناقش في الحجة المذكورة أولا بالنقض بثبوت التّناقض بين قوله شربت ماء باردا وقوله ما شربت الماء مع أن لفظ الماء في القضيّة المتضمّنة للنقض ليس للعموم فما هو الجواب هنا فهو الجواب هناك وثانيا بأن غاية ما يستفاد من الحجّة المذكورة إفادة النّهي الدّوام وأمّا أنها بالوضع فلا لاحتمال كونها بالدلالة الالتزاميّة إذ معها يتحقق التناقض كما لا يخفى ومنها ما ذكره في النهاية أيضا فقال قولنا لا تضرب يمكن حمله على التكرار وقد دل الدّليل عليه فيجب المصير إليه أمّا الأولى فلإمكان امتناع الإنسان عن الفعل دائما من غير عسر وأمّا الثانية فلانتفاء دلالة الصّيغة على وقت دون وقت فإما أن يحمل على الكلّ وهو المراد أو لا يحمل على شيء البتة وهو محال أو يحمل على البعض دون الآخر ويلزم منه الترجيح من غير مرجح ثم قال قيل عليه لا دلالة في النّهي إلَّا على مسمّى الامتناع فيجب تحقق هذا المسمّى دفعا للخروج عن عهدة التّكليف وفيه نظر لأن مسمّى