السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

140

مفاتيح الأصول

لا يفيده ولا يدل عليه اختلفوا فيه على قولين الأول أنّه يفيد طلب التّرك دائما وفي جميع الأزمان وهو للنهاية والمنية وشرح المبادي والمعالم والزبدة وفيه وشرح الجواد للزبدة والإحكام والمختصر وشرحه للعضدي واختاره والدي العلامة دام ظله العالي وفي النهاية والمنية والزبدة هو مذهب الأكثر وفي العدّة أنه مذهب أكثر المتكلمين والفقهاء ممن قال بأن الأمر يفيد المرة ومن قال إنه يفيد التكرار وفي شرح العضدي النهي يقتضي دوام ترك المنهي عنه عند المحققين اقتضاء ظاهرا فيحمل عليه إلَّا إذا صرف عنه دليل وفي الإحكام اتفق العقلاء على أن النهي عن الفعل يقتضي الانتهاء عنه دائما انتهى الثاني أنه لا يدل على ذلك وليس بظاهر فيه وهو للذّريعة والغنية والعدة والتهذيب والمعراج وفي الزبدة ذهب إليه المرتضى وأتباعه وفي المنية قال به الأقلّ وفي الإحكام ذهب إليه بعض الشاذين وفي شرح العضدي قال به شذوذ انتهى وهؤلاء اختلفوا فمنهم من يظهر منه أنّه مشترك لفظي بين الأمرين وهو السيّد في الذريعة وابن زهرة في الغنية وفي العدة والذي يقوى في نفسي أن ظاهره يقتضي الامتناع مرّة واحدة وما زاد على ذلك يحتاج إلى دليل وحكي عن بعض التوقف في المسألة ثم قال فأمّا النواهي الواردة في القرآن والسّنة فإنّها تقتضي التأييد فإنّما علمنا ذلك بدليل من إجماع وغيره فلا يمكن الاعتماد على ذلك كما أن مثل ذلك علم أن الأوامر على التكرار عند الأكثر للأوّلين وجوه منها ما تمسّك به في المنية من أن المتبادر إلى الفهم عند إطلاق اللفظ وتجرّده عن القرائن هو الدوام لا يقال لعلّ التبادر هنا من قبيل تبادر الفرد الشائع من المطلقات لأنا نقول الأصل في التبادر والفهم كونه من أدلة الحقيقة اللَّهم إلَّا أن يقال هذا الأصل مدفوع بما يدلّ على القول الثاني على أنّه قد يمنع من كون هذا التبادر من التبادر الَّذي به تمييز الحقيقة من المجاز لوجوه أحدها أن من شأن التبادر الَّذي هو علامة الحقيقة فهم المعنى لانتقال الذّهن إليه ابتداء وبنفس اللفظ لا يتوسّط ملازمة وارتباط وهذا هنا غير متحقق لأنّ الدوام لا ينتقل إليه الذّهن ابتداء بل إنّما ينتقل إليه بعد فهم معنى آخر وهو مجرد نفي الحقيقة ومن المعلوم أن الماهية ليس على نفي أفرادها بل هو لازم له عند جماعة فإذن يكون دلالة اللَّفظ على الدّوام دلالة التزامية كدلالة الأربع على الزّوجية فلا يكون اللَّفظ موضوعا للدّوام ولا التبادر تبادرا حقيقيا فتدبر وثانيها أن تبادر الدّوام لو كان تبادرا حقيقيا لاطرد في جميع موارد إطلاق اللفظ مجرّدا عن القرينة والتالي باطل إذ لا يفهم من النهي المنشأ المتوجه إلى المتشاغل بالفعل سوى طلب تركه للمشغول به فقوله لا تضرب زيدا لمن هو مشغول بضربه لا يفيد سوى طلب ترك هذا الفعل المشغول لا طلب تركه في جميع الأحوال فالمقدم مثله أمّا الملازمة فظاهر فتأمل وثالثها عدم تمسّك معظم القائلين بالدوام بتبادره إذ لو كان متحققا لما خفي عنهم ولكان اللازم التّمسك به لأنه من أقوى أمارات الحقيقة فتأمل ومنها ما تمسّك به العلامة في النهاية والفاضل الجواد في شرح الزبدة ووالدي العلامة في بعض حواشيه والآمدي من أنّه إذا نهى السّيد عبده من فعله فانتهى مدّة كان يمكنه إيقاع الفعل فيها ثم فعل عدّ في العرف عاصيا مخالفا لسيّده وحسن منه عقابه وكان عند العقلاء مذموما بحيث لو اعتذر بذهاب المدة التي يمكنه إيقاع الفعل فيها وهو تارك وليس نهي السّيّد بمتناول غيرها لم يقيد ذلك وبقي الذّم بحاله وهذا مما يشهد به الوجدان وقد صرّح بما ذكر في المعالم مستشهدا به على الحجة الأولى وفيه أن ذلك بمجرّده لا يدل على كون اللَّفظ للدوام بحيث يدل عليه بالتضمن بل غاية ما يستفاد منه دلالة اللفظ عليه وهي أعم من التضمن والالتزام والعام لا دلالة له على الخاص على أنّه قد يمنع من دلالة ذلك على دلالة اللفظ على الدّوام لجواز كون الأصل عند العقل الحكم بالدوام عند صدور النّهي وإن لم يكن إلَّا بالدلالة اللَّفظية عليه إلَّا أن يقال إن كل من حكم بالدّوام عند صدور النهي قال بدلالته عليه بالتضمن ولكن فيه نظر فتأمل ومنها ما ذكره بعض من أن نحو قوله لا تضرب زيدا نكرة منفية وهي تفيد العموم وموضوعة له وفيه نظر للمنع من كون ذلك نكرة منفية سلمنا ولكن لا نسلَّم أن النكرة المنفية موضوعة للعموم والدّلالة عليه أعم من الوضع سلمنا ولكن غاية ما يستفاد من النكرة المنفية نفي جميع أفراد مدخول النفي لا النفي من جميع الجهات فقوله لا تضرب يفيد طلب ترك جميع أفراد الضرب في الجملة لا طلب تركه في جميع الأزمنة والأمكنة كما أن قوله لا رجل في الدار يفيد نفي جميع أفراد الرجال في الجملة لا في كلّ زمان فتأمل ومنها ما تمسّك به في النهاية والمنية والزبدة وفيه والمختصر وشرحه للعضدي من أن العلماء كما في النهاية وفيه والمختصر وشرحه للعضدي والصّحابة كما في المنية والسّلف كما في الزبدة وشرحها للفاضل الجواد وحاشية الشيخ محمد على المعالم لم يزالوا في جميع الأوقات يستدلون على الدوام بالنهي من غير نكير وزاد في شرح الجواد فقال ولو لم يكن الظاهر منه الدّوام لما استنبط لهم ذلك ثم قال فإن اعترض بأنا لا نسلَّم فهمهم الدّوام من مجرد النهي ولم لا يجوز أن يكونوا فهموا ذلك من دليل خارجي دل عليه سلمنا لكن يجوز أن يكون ذلك من حيث إنّه مذهب لهم فلا يقوم حجة على من خالفهم أجيب بأنا نعلم قطعا فهمهم الدوام من مجرّد النّهي كما يعلم ذلك من نظر كلامهم كيف ولو كان الفهم من القرينة لكان