السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
132
مفاتيح الأصول
لو أوقعه سهوا كان باطلا لجواز أن يكون واجبا تعبدّيا وقد أشار إليه بعض المحققين ومنه يظهر الجواب عن الآيتين الأخيرتين لو سلمنا دلالتهما على الوجوب اللَّهمّ إلَّا أن يدعى التلازم بين الوجوب والشّرطية غالبا فيلحق موضع الشّك به فتأمل وأمّا ما ذكره في المنتهى وغيره فوجه المناقشة فيه واضح جدّا وبالجملة الأصل عدم اشتراط المأمور به في النيّة وقصد القربة والصفات وكذلك الأصل عدم وجوبها فلا بد لمدعي اشتراطه بشيء ممّا ذكر أو وجوبه من دليل وثبوت البعض لا يستلزم ثبوت الباقي الموضع الثاني فيما إذا تعددت الأوامر المتماثلة والتحقيق فيه أنّه إن كانت مما يجوز فيه التداخل كما إذا كانت باعتبار حصول أسباب متعددة كالأوامر بالوضوء باعتبار أسبابه من النّوم والبول والأوامر بغسل الثوب باعتبار ملاقاته لنجاسات متعددة أو باعتبار غايات متعددة كالأوامر بالوضوء للصّلاة والطواف ونحوهما فلا يجب القصد إلى أصل الفعل ولا قصد التقرب وسائر الصفات وتعيين الأسباب والغايات بل يحصل الخروج عن العهدة بوقوع الفعل مرّة ولو سهوا نعم استحقاق الثواب يتوقف على قصد التقرب وقد صرّح في مشارق الشموس بأنه لا يجب هنا التمييز محتجا بأن الفعل حينئذ امتثال الجميع فلا حاجة إلى مخصّص ولا فرق في ذلك بين كونها واجبة أو مندوبة أو مبغضة وإن كانت مما لا يجوز فيه التداخل بل يجب الإتيان بمتعلَّقها مكرّرا كما في الأمر بنافلة الصّبح وبصلاة الصّبح فلا يخلو إمّا أن يتساوى في جميع الصّفات من الوجوب والنّدب أو لا بأن يكون بعضها للوجوب والآخر للنّدب فإن كان الأول فالكلام فيه كما سبق وذلك واضح وإن كان الثاني فالظاهر من الأصحاب كما لا يخفى لزوم التمييز حينئذ وفيه نظر وعلى تقدير اللَّزوم إن انحصر المميز في وجه تعين وإلَّا فالأصل التخيير كما هو ظاهر مشارق الشموس وفيه لا يبعد القول باشتراط التخصيص فيما تعدد الأوامر الإيجابية فقط أو النّدبية فقط ولم يجز التداخل في متعلقاتها إذا كان لوازمها وأحكامها مختلفة وأمّا إذا لم تكن مختلفة فالظاهر عدم الاشتراط وينبغي التنبيه على أمور الأوّل لا يختص ما ذكرناه بلفظ الأمر وصيغة افعل بل يجري أيضا في كلّ لفظ دلّ على معنى الأمر وكان بمنزلته في الإطلاق بل إذا ثبت وجوب شيء بالإجماع أو بلفظ لا إطلاق له لم يلزم منه الحكم باشتراط الأمور المتقدم إليها الإشارة نعم قد يحكم بها من باب الاحتياط وقاعدة الاشتغال الثاني هل يختص ما ذكرناه من الأصول والقواعد بالأمر المستعمل في الوجوب أو يعمه والأمر المستعمل في النّدب فيه إشكال ولكن لا إشكال في أن الأصل في الأخير عدم اشتراط كثير من الصّفات ووجوبه الثّالث اعلم أن مقتضى الأصل كما صرّح به جماعة من الأصحاب كالشّهيدين والمحقق الثاني وغيرهم وهو ظاهر الأكثر وجوب استدامة النية في العمل الَّذي وجبت فيه كالوضوء وغيره من العبادات من أوله إلى آخره واحتجوا عليه بأن دليل الكل سار في الإجزاء لأنها عبادة ولكن الأصحاب اتفقوا على عدم اعتبار ذلك قالوا للزوم الحرج فيه فإن الإنسان كثيرا ما يشغله ما يمنعه عنه وقد ادعى في جامع المقاصد والمقاصد العليّة الإجماع على صحة عبادة الذاهل عنها والواجب حينئذ عندهم الاستدامة الحكمية بدلا عنها واختلفوا في تفسيرها ففسرها الفاضلان والمحقق الثاني والشهيد الثاني وغيرهما بل حكي عن الأكثر بأمر عدميّ وهو البقاء على حكمها وعدم نية ما يخالفها وفسّرها الشهيد فيما حكي عنه بأمر وجودي وهو العزم على مقتضاها ولعلَّه الظاهر من الغنية والسرائر فإنّ فيهما بعد الحكم بلزوم استمرارها وذلك أن يكون ذاكرا لها غير فاعل لنية تخالفها وادعى في الأوّل الإجماع عليه وذلك إمّا لأن الأصل استمرارها فعلا بمعنى استمرار العزم مع القيود المعتبرة فيه والَّذي قام الدليل على عدم لزوم اعتباره هو ملاحظة باقي القيود دون أصل العزم فيبقى هو على أصل المقتضي أو لأن الميسور لا يسقط بالمعسور إن جعلنا ماهيّة النيّة مركَّبة من العزم وباقي القيود أو لأن الأصل الفساد إذا لم يستمر فعلا إلَّا فيما قطع بالصحة مع عدمه وليس إلَّا مع استمرار العزم وأمّا مع عدمه فلا دليل على الصحّة فيحكم بالفساد بمقتضى الأصل فتأمل وردّ هذا التفسير أولا بالمنع من الأصل المزبور إذ غاية ما يستفاد مما دلّ على اعتبار النيّة فيه نحو إنما الأعمال بالنّيات لزوم اعتبارها فيه في الجملة وذلك لأن النيّة إمّا أن يراد منها المعنى اللَّغوي وهو العزم على الفعل مطلقا أو المعنى المتعارف عند الفقهاء وهو القصد المقارن للعمل وأيّا ما كان المراد فلا دلالة على لزوم الاستصحاب إلى الآخر والإجزاء وإن كانت أعمالا ولكن ليس المراد جميع الأعمال حتى الإجزاء بل المراد الأعمال المعهودة عند الشارع كالصّلاة والوضوء وهي عبارة عن مجموع تلك الإجزاء وإطلاق العمل عليها مجاز عرفا لا يصار إليه إلَّا بقرينة ولا يلزم من هذا جواز نيّة الخلاف لأن الواجب لما كان هو إيقاع العبادة على ذلك الوجه المخصوص وكانت إرادة الضّدّ منافية لإرادة الضّدّ الآخر اقتضى ذلك