السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

122

مفاتيح الأصول

به السيدان والأصل أن يكون للماهية حتى يثبت الصارف عنه ولم يثبت الثالث المعظم ذهبوا إلى أنّه في اللغة للماهية والشهرة إن لم تكن حجة فلا أقل من صلاحيتها للترجيح لا يقال الترجيح مع الأول لوجهين الأول أنّ أصالة توافق عرف الشرع مع اللغة دليل مثبت لأنها تقتضي أن يكون في اللغة للماهيّة المقيدة كعرف الشارع ولا كذلك أصالة توافق عرفنا مع اللَّغة لأنها دليل ناف لأنها تقتضي أن يكون فيها للماهيّة المطلقة والمثبت مقدم على النّافي الثاني أنّه إذا علم النقل في الجملة لأن الأصل تأخر الحادث فيلزم أن يكون النقل في عرفنا لأنه متأخر عن عرف الشارع لأنا نقول هذان الوجهان لا يصلحان للترجيح أمّا الأوّل فلما قدّمناه في بحث تعارض الخبرين من أهل اللَّغة وأمّا الثاني فلأنا لا نسلَّم جريان أصالة تأخر الحادث هنا لعدم العلم بكون عرفنا حادثا وإن كان هذا الزّمان الَّذي علمنا فيه بكونه موضوعا للماهيّة متأخرا عن زمان الشرع والعبرة ليست بالزّمان بل بالعرف وإنما يجري الأصل المذكور فيما إذا علم بوضع اللَّفظ لمعنى وفي عرفنا لآخر بأن يكون النقل في عرفنا ثابتا وشككنا في العرف المتوسط هل هو كاللَّغة أو كعرفنا كما في لفظ الصّلاة فإنه في اللَّغة الدّعاء وفي عرف الشرع للأركان المخصوصة ولم يعلم أنّه في الشرع لأي منهما فإن الأصل تأخّر الحادث ومرجعه حينئذ إلى أصالة بقاء المعنى اللغوي حتى يثبت المخرج عنها وإنما يثبت بالنّسبة إلى عرفنا لا غير ولذا كان الأصل مع النّافي للحقيقة الشّرعيّة وليس الأمر كذلك فيما نحن فيه فتدبر سلمنا ولكن هذا الأصل معارض بأحد الوجوه المرجّحة للأخير الَّتي أشرنا إليها فيبقى الباقي سليما عن المعارض ولئن تنزّلنا وقلنا إن الأصل المزبور يعارض جميع تلك الوجوه فاللَّازم حينئذ التوقف في اللَّغة كما لا يخفى وقد تحصّل مما ذكرنا قاعدة كلَّية وهي أنّه إذا ثبت للفظ وضعان في عرفنا عامين كانا أو خاصّين وشككنا في موافقة اللغة لأي منهما فاللازم التوقف والرجوع إلى المرجّحات وهي غير محصورة ولكن قد أشرنا إلى بعضها وأمّا إذا كان أحدهما عاما يقينا والآخر خاصا كذلك ولا ريب في ترجيح الأول والحكم بموافقة اللَّغة للعرف العام لا للأصل بل لبعد تخالف العرف العام مع اللَّغة ومنها أن النّهي يفيد الفور فكذا الأمر قياسا عليه بجامع الطلب وفيه نظر لأنه قياس في اللغة ولا يجوز مع أنّه مع الفارق لأن النّهي يقتضي التكرار فيلزمه الفور ولا كذلك الأمر لما تقدم ومنها أن الأمر بالشّيء نهي عن ضدّه وهو للفور فيلزم فورية الأمر وفيه نظر للمنع من إفادة النهي الضمني الفور ومنها أن كلّ مخبر كالقائل زيد قائم وعمرو في الدّار وكل منشئ كالقائل أنت طالق وهو حرّ إنما يقصد الزمان الحاضر فكذلك الأمر إلحاقا له بالأعم الأغلب وأجيب عنه بوجهين أحدهما ما ذكره جماعة منهم صاحب المعالم والعضدي من أنّه قياس في اللغة فلا يصح وفيه نظر وثانيهما ما ذكره بعض الأجلَّة من أنّه لا يجوز إثبات اللَّغة إلَّا بالنقل مطلقا أو الاستقراء وليس هذا من شيء منهما أمّا الأول فواضح وأمّا الثاني فلأن الاستقراء عبارة عن وجدان جميع الجزئيات على شأن واحد فيحكم حينئذ كليّا بأن الأمر كذا وليس ما نحن فيه كذلك لعدم العلم بكونه للفور وإن كان غيره وهو الأكثر له وفيه نظر بناء على ما اشتهر بينهم من أن الفرد المشكوك فيه يلحق بالغالب وعلى هذه القاعدة بناؤهم في كثير من المسائل الأصولية اللَّغوية كمسألة تعارض المجاز والاشتراك ونحو ذلك مما لا يكاد يحصى هي نوع من الاستقراء والحق في الجواب أن يمنع الغلبة المزبورة فإن اللَّفظ إمّا اسم أو فعل أو حرف والأوّل لا دلالة فيه على الزمان بهيئة أصلا نعم بعض منه ربّما يدلّ بمادته ولكنه في غاية القلة قال الشيخ عبد القاهر فيما حكي عنه موضوع الاسم على أن يثبت به الشيء للشيء من غير اقتضائه أن يتجدّد ويحدث شيئا فشيئا فزيد منطلق لا يدلّ على أكثر من ثبوت الانطلاق فعلا له وقال أيضا فيما حكي عنه المقصود من الأخبار إن كان هو الإثبات المطلق فينبغي أن يكون الاسم وإن كان الغرض لا يتم إلَّا بالإشعار زمان ذلك فينبغي أن يكون بالفعل وأيضا حكي عن أهل البيان أنهم قالوا العدول عن الفعلية إلى الاسمية يدل على الدوام بناء على أن الاسمية لا تدل على زمان معيّن والفعلية تدلّ عليه فإذا عدل عنها فلا بد من نكتة والنكتة المناسبة هي الاحتراز عن الدّلالة على تعيين الزمان قال بعض المحققين وهذا الكلام صريح في أنّ الاسمية لا تدل على الزّمان لا يقال اتفق العلماء على أن إطلاق المشتق على الحال حقيقة واختلفوا في إطلاقه على الماضي وليس ذلك إلَّا لدلالته على الزّمان الحاضر قطعا لأنا نقول مرادهم أن المبدأ إذا كان موجودا في حال النطق والإخبار كان ذلك الإطلاق إطلاقا حقيقيّا وليس مرادهم أن اللفظ يدلّ على الاتصال بالمبدأ في الحال وكذا الثالث لا يدلّ على الزّمان بهيئته وأمّا الثاني فهو وإن دل على الزمان بهيئته لكنه يدلّ غالبا على الماضي والمستقبل وهما أكثر أفراده هذا وقد قال جماعة من المحققين منهم العضدي إن الأمر لا يمكن توجّهه إلى الحال إذ الحال لا يطلب بل الاستقبال إمّا مطلقا وإمّا الأقرب إلى الحال الَّذي هو عبارة عن الفور وكلاهما محتمل فلا يصار إلى الحمل على الثاني إلَّا الدليل بخلاف الإخبار والإنشاء فإنه لا يجب فيهما الاستقبال وردّ بأن ليس المراد من الزّمان الحاضر الآن الحاضر الذي لا ينقسم وهو زمان التكلَّم بل أجزاء متعاقبة من أواخر الماضي وأوائل المستقبل حتى يصح في الإخبار والإنشاء جميعا والفور وهو أوائل المستقبل داخل فيه ويؤيّده أن النّهي يدل على الفور اتفاقا مع جريان هذا البيان