السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

123

مفاتيح الأصول

فيه لأنه أيضا لطلب الكف في المستقبل لامتناع تحصيل الحاصل وأجيب عنه بأن الحال بهذا المعنى محدود بأول الكلام وآخره والواقع في هذا الظرف إنما هو مضمون الأمر أعني الطَّلب دون المطلوب وإلَّا لزم تحصيل الحاصل بل المطلوب خارج عنه متصل به بناء على الفور وهو استقبال قطعا ولم يقع في شيء من أجزاء الزّمان الحاضر ومنها أنّه يجب اعتقاد وجوب الفعل فورا بالإجماع فيجب الفعل كذلك لأنه أحد موجبي الأمر قياسا على الآخر بجامع تحصيل مصلحة المسارعة إلى الامتثال بل فورية الفعل أولى لأن الأوامر يتناوله دون اعتقاد وجوبه وإذا كان ما لا يتناوله الأمر على الفور كان ما يتناوله على الفور بطريق أولى وفيه نظر لأنه قياس سلمنا ولكن نمنع من كون فورية الاعتقاد من مقتضيات الأمر بل هو من لوازم الإيمان ولذا يجب في الكفارات وسائر الواجبات الموسّعة اعتقاد وجوبها فورا ولا يجب كذلك فعلها ومنها أن اليقين بالامتثال أنما يحصل بالبدار للإجماع عليه كما في النهاية والمحصول وفيه نظر للمنع من صلاحية لإثبات الوضع على أنّه معارض بمثله لوجود القول بوجوب التراخي كما عرفته فتأمل ومنها قوله تعالى ما منعك ألَّا تسجد إذ أمرتك فإنه تعالى ذم إبليس لعنه الله على ترك السّجود في الحال ولولا أن الأمر للفور لما توجه إليه الذّم وفيه نظر أمّا أولا فلاحتمال كون الذّم لتركه السّجود لا بعزمه في ثاني الحال كما ذكره العلامة وباعتبار استكباره وتجبره وافتخاره على آدم عليه السلام كما يشهد به قوله تعالى حكاية عنه أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين كما قيل وأمّا ثانيا فلاحتمال كون الأمر بالسجود للفور بخصوصه إما لدلالة الفاء الجزائية في قوله تعالى فقعوا له ساجدين عليه كما في التهذيب أو لقيام قرينة تدل عليه كما في المطوّل والمفتاح قال الأصفهاني القرينة وإن كانت خلاف الأصل لكن يصار إليها دفعا للاشتراك والمجاز أو لأن فعل الأمر وهو قوله تعالى فقعوا عامل في إذا لأن إذا ظرف والعامل فيها جوابها على رأي البصريين فيكون التقدير فقعوا له ساجدين وقت تسويتي إياه كما في نهاية السئول وفي جميع ما ذكر تأمّل وأمّا ثالثا فلأن الآية الشريفة ليس فيها دلالة على أن إرادة الفور من الأمر بالسجود باعتبار الوضع بل غايتها الدّلالة على إرادة الفور منه وهو كما يكون بالوضع يكون بالقرينة فحال هذا ليس إلَّا حال سائر الأوامر المستعملة في الفور لا يقال الأصل عدم القرينة فيكون بالوضع لأنا نقول هذا معارض بأصالة عدم القرينة في الأوامر المستعملة في التوسعة وهي أكثر وأغلب فيكون الترجيح مع هذا كما لا يخفى ومنها قوله تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم لأن المراد بالمغفرة سببها اتفاقا كما في كلام جماعة وهو فعل المأمور به وليس المراد حقيقتها لأنها من فعل اللَّه فيستحيل المسارعة إليها فيجب المسارعة إلى فعل المأمور به لأن الأمر للوجوب كما بيّناه ولا يتحقق المسارعة إليه إلَّا بالإتيان به فورا وفيه نظر أمّا أولا فلعدم دلالة الآية الشريفة على وجوب المسارعة إلى كل ما هو مأمور به فإن قوله تعالى إلى مغفرة نكرة وقعت في مقام الطلب فيجوز الاقتصار في مقام الامتثال على فرد ما كما في أعتق رقبة وآتني برجل ولما انعقد الإجماع على أن التوبة يجب المسارعة إليها وأنها السبب في المغفرة كان اللازم الاقتصار عليها ودفع الزائد بالأصل وقد نصّ على هذا الآمدي ويعضد هذا ما حكي عن عكرمة من تفسير المغفرة بالتوبة بل ذهب بعض إلى أنّه لا يحتمل تفسيرها في الآية الشريفة بغيرها لأن المراد بالمغفرة فيها سببها وليس السّبب لها إلَّا التوبة لأن فعل المأمور به سبب للثواب لا الغفران هذا وقد حكي عن ابن عبّاس تفسير المغفرة بالإسلام وعن أنس بن مالك بالتكبيرة الأولى وعن أبي العالية بالهجرة وعن يمان بالصلوات الخمس وعن ضحاك بالجهاد وعن بعض بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن بعض بالصف الأول وهذا كلَّه يدل على أن الآية الشريفة ليست محمولة على العموم وهو المطلوب نعم روي عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ما يدلّ على العموم وهو تفسير المغفرة بالفرائض ويعضده ما عن سعيد بن جبير من تفسيره بأداء الطَّاعات ولكن يجاب عن الرّواية بعدم وضوح السّند مع قصور الدّلالة لاحتمال أن يكون المراد بالفرائض ما ثبت وجوبه بالكتاب فلا يعمّ كلّ واجب وعن ما روي عن سعيد بعدم صلاحيّته لمعارضة ما عن كثير من المفسّرين الَّذين أشرنا إليهم وأمّا ثانيا فلأن غاية ما استفيد منها أن الأمر في الشّريعة للفور ولا دلالة فيها على أنّه في اللَّغة كذلك لأن المأمور به شرعا سبب للمغفرة لا غيره كذا قيل ولا يمكن دعوى إلحاقها بها بالإجماع المركب كما ذكره الأبهري ولا بأصالة عدم النقل كما ذكره صاحب النقود أمّا الأوّل فلوجود القائل بالفصل وأمّا الثّاني فلما تقدّم وأمّا ثالثا فلأنّ الأمر بالمسارعة محمول على النّدب لأنها عبارة عن مباشرة الفعل في وقت مع جواز الإتيان به بعد ذلك الوقت ولذا لا يقال لمن صام رمضان أنّه سارع إليه فلو حمل سارعوا على الوجوب لكان مفاد الصّيغة منافيا لما تقتضيه المادة وذلك غير جائز كذا ذكره جماعة منهم الحاجبي والعضدي واعترض عليه بأن التجوز في الصّيغة بحملها على النّدب ليس بأولى من التجوز في المادة وفيه نظر لأن الأول أولى لشيوع استعمال الصّيغة في النّدب دون استعمال المادة في غير ما هو الظاهر منها سلمنا التساوي ولكن يجب التوقف فلا دلالة في الآية حينئذ وهو المطلوب والأولى في الاعتراض أن يقال نمنع من لزوم التنافي بين المادة والصّيغة لو حملت على الوجوب فإن غاية ما استفيد من المادة جواز الإتيان بالفعل في ثاني الحال بمعنى أنّه يجوز عقلا تأخيره ومجرّد هذا لا يستلزم عدم وجوب المبادرة إليه كيف والحج يجب