السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

121

مفاتيح الأصول

الفور والتّراخي وهو اختيار السيّدين المرتضى وابن زهرة كما عن الواقفية وقد صرّح السّيّد بأنه لا يحكم بالامتثال لو بادر ولكنّه كابن زهرة صرح بأن الأمر في الشّريعة للفور وتوقف إمام الحرمين وغيره على ما حكي ولكن الأوّل صرّح بحصول الامتثال بالمبادرة خلافا للثاني فتوقف فيه كتوقفه في أصل المدلول للقول الأول وجوه منها أن المتبادر من الأمر إدخال المصدر في الوجود من غير خطور فور ولا تراخ نعم يجوز التراخي لإطلاق اللفظ لا لخصوص وضع اللفظ بإزائه ومنها أن الأمر استعمل تارة في الفور كالأمر بالحج وأخرى في التراخي كالواجبات الموسعة والأصل أن يكون موضوعا للقدر المشترك بينهما ومنها قبوله التقييد بكلّ منهما فيقال افعل فورا أو متى شئت فالأصل أن يكون موضوعا للقدر المشترك بينهما ومنها أن أهل اللَّغة قالوا لا فرق بين تفعل وافعل إلَّا أن الأوّل خبر والثاني إنشاء وذلك يوجب تساويهما فيما عدا ذلك ولما كان مدلول الخبر إدخال الماهيّة في الوجود من غير ملاحظة فور أو تراخ لزم أن يكون الأمر كذلك ومنها أنّه لو كان موضوعا لأحد الأمرين الفور والتراخي بخصوصه لكان استعماله في الآخر مجازا فيلزم صحة سلب اسم الأمر وما يشتق منه عنه حقيقة والتالي باطل وللقول الثاني وجوه أيضا منها ما تمسّك به بعض من أنّ المتبادر منه عند الإطلاق الفور فإن السيّد إذا قال لعبده اسقني فأخر العبد السّقي من غير عذر عدّ عاصيا وذلك معلوم من العرف ولولا إفادته الفور لم يعدّ عاصيا قال السكاكي حق الأمر الفور لأنه الظاهر من الطلب عند الإنصاف كما في الاستفهام والنّداء ولأنه لو قال اضطجع بعد أمره بالقيام كان المفهوم نسخ الأمر الأوّل ولو كان للماهية لما كان الأمر كذلك وقال جمال الدين الخونساري قال بعض الفضلاء هذه دعوى لا يبعد عند الإنصاف وإن أمكن منعها في المناظرات انتهى وفيه نظر للمنع من تبادر الفور كما صرّح به السّيّد بل المتبادر ما يعمّه واستفادته من اسقني بقرينة المقام القضاء عادة بأن طلب السّقي أنما يكون عند الحاجة إليه عاجلا ومحلّ النّزاع المجرّد من القرينة وقد صرّح بما ذكرنا جمع من المحققين كالشيخ البهائي والفاضل الجواد وجدي الصّالح والحاجبي والعضدي والطوسي والتفتازاني لا يقال الأصل عدم القرينة لأنها غير معقولة بل الذّم إنما لتعقل الفور من نفس الأمر ألا ترى أنّه يعلل مؤاخذته بأنّه أخر الامتثال ولولا الفورية لما صحّ ذلك لأنا نقول العادة حاكمة بوجودها وإن فرض انتفاؤها فنمنع العصيان وتوجّه اعتذار المأمور بأنك ما أمرتني بالبدار وما علمت أنّ في التّأخير مضرة وأمّا ما قاله السّكاكي فمدفوع بالمنع من فهم النسخ فيما ذكره من المثال إذ لو قال السّيّد لعبده إذا دخلت دار فلان فاقعد وامش واضطجع لم يفهم منه النسخ بل يجب عليه الإتيان بكلما أوجبه سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون باعتبار أن الأمر الأوّل لما كان مقتضيا لوجوب الإتيان بالمأمور به في أيّ جزء من أجزاء الوقت شاء وكان الأمر الثاني مقتضاه ذلك أيضا كان اللَّازم التّناقض حينئذ فتأمل ويؤكد عدم الدلالة على الفور وضعا اختلاف جواز التّأخير ففي موضع يجوز التّأخير بمقدار يسير وفي آخر بشيء أزيد من الأول وهكذا وقد يقال لا دلالة في ذلك على عدم الوضع للفور لجواز أن يقال بالوضع لما يسمى في العرف فورا والفورية العرفية تختلف بحسب اختلاف الآمر والمأمور به فإذا أمر بالسقي فبالتأخير ساعة يفوت الفورية ويعدّ المأمور متهاونا وإذا أمر بالخروج إلى سفر بعيد فبالتّأخير أسبوعا بل شهرا لا يفوت الفورية ولا يعدّ متهاونا وقد يرد بأن الاختلاف المعلوم من الأمثلة العرفية مما لا يثبت لو صرح بالفورية فتدبر ومنها دعوى السيّدين المرتضى وابن زهرة الإجماع على أن الأمر للفور في الشريعة وفيه نظر أمّا أولا فلوهنه بمصير كثير من المحققين إلى أن الأمر ليس للفور في الشريعة ويؤكده أن الشيخ المعاصر للسيّد مع قوله بأن الأمر في الشريعة للفور لم يحك هذا الإجماع إذ يبعد عدم اطلاعه عليه مع تحققه وأيضا السّيد لم يشر إليه في هذه المسألة بل نقل الخلاف فيها وإنما ادعى ذلك في مسألة أخرى وأيضا ليس المتبادر منه عند أهل الشرع إلَّا الماهيّة ولو كان في الشريعة حقيقة في الفور لكان عند أهل الشرع إذ يبعد تخالف عرف المتشرعة مع عرف الشارع مضافا إلى معارضته بأصالة عدم النقل حينئذ وبغلبة استعمال الأمر في الشريعة في غير الفور كما لا يخفى ومما ذكر ظهر ضعف قول بعض الأفاضل من أن هذا الإجماع خبر واحد قد احتف بالقرائن فيفيد القطع وأمّا ثانيا فلأن غاية ما يستفاد من هذا الإجماع بعد تسليمه كون الأمر في الشريعة للفور ولم يثبت منه أنّه في اللغة كذلك لا يقال لو لم يكن في اللَّغة كذلك لزم النقل والأصل عدمه لأنا نقول هذا حسن لو لم يكن في عرفنا للماهية وأمّا على تقديره فالنّقل ثابت فيجب التوقف في اللَّغة لعدم العلم بأن النقل في عرفنا فاللَّغة كعرف الشارع فاللغة كعرفنا على أنّه لا يبعد ترجيح الأخير لوجوه الأوّل أن عرفنا قطعي وعرف الشارع ظني لأنه ثابت من طريق الآحاد الثاني أنّه من المعلوم أن الأمر في اللغة قد استعمل في الفور والتراخي وقد اعترف