السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

120

مفاتيح الأصول

أحدهما لزوم وجود المعلول عند وجود العلَّة التامّة عقلا وعرفا لا يقال العلل الشّرعيّة معرفات وليست كالعلل العقلية لأنا نقول الأصل فيها أن تكون كالعلل العقليّة إلَّا أنّه لا يمتنع تخلفها ولذا صار مفهوم العلَّة حجّة ولا يقال لو تكرر الفعل بتكرر العلة لتكرر بتكرر الشرط بالطَّريق الأولى إذ الشرط ما يلزم من عدمه عدم المشروط بخلاف العلَّة لجواز أن تخلفها علَّة أخرى والتالي باطل فالمقدم مثله لأنا نقول هذا ضعيف لأن التكرار في العلَّة باعتبار أن وجودها مستلزم لوجود المعلول لأنها مؤثرة وذلك منتف في الشّرط لأن وجوده لا يقتضي وجود المشروط لأنّه غير مؤثر واقتضاء انتفائه انتفاءه لا يوجب التكرار بالتكرار وجواز علَّة أخرى مدفوع بالأصل وثانيهما دعوى جماعة كالحاجبي والعضدي والطوسي والرّازي فيما حكي عنه الإجماع على ذلك ويظهر من جماعة من الأصوليّين منعه منهم الأبهري متمسّكا بأن الأصوليّين من الحنفية قالوا إنّ الأمر المطلق يفيد الماهيّة ولا يدلّ على التكرار وإذا علق على العلَّة لا يجب تكرر الفعل بتكرر العلَّة بل لو وجب وعندي ما صار إليه بعض المحققين من لزوم التكرار في محلّ البحث في غاية القوّة وليس منه تعليق الأمر على الوصف وإن أشعر بالعلية لعدم دلالته على كونه علَّة بحيث يصحّ الاعتماد عليه والإشعار بنفسه لا يصلح للحجّية الثّالث كما أن أمر المطلق والمعلَّق على الشرط والصفة لا يفيدان التكرار بأنفسهما كذلك كلّ ما دلّ على طلب الفعل من نحو لفظ أوجبت والإشارة والإجماع وصيغة افعل ونحوه المستعملة في الاستحباب والوجوب الغيري والشرطي مطلقا ولو كان معلَّقا على الشرط أو الصّفة الرّابع إذا استعمل صيغة المضارع نحو يضرب في الطلب والإنشاء كانت مفيدة للوجوب كما تقدم إليه الإشارة وهل يفيد التكرار أو لا احتمالان أحدهما الإفادة ووجهه أن التكرار كان جزءا من المعنى الحقيقي بناء على ما اشتهر من أن صيغة المضارع تفيد استمرار التجدد فيجب بعد تعذّر الحمل عليه الحمل على الأقرب إلى المعنى الحقيقي لما تقرر من أنّه إذا تعذر الحمل على الحقيقة وجب صرف اللَّفظ إلى أقرب المجازات وليس إلَّا الطَّلب على وجه التكرار الثاني عدمها كصيغة افعل لأنها مستعملة في معنى هذه الصّيغة فيجب أن لا يراد التكرار وهذا أقوى لأنه المتعارف عند أهل اللسان والمفهوم من اللفظ بعد تعذّر الحمل على الحقيقة وهو دليل كونه الأقرب إليها مضافا إلى إمكان منع دلالة المضارع بحسب الوضع على الاستمرار ودعوى كون الدّلالة عليه لو سلمت بالغلبة والالتزام هذا ويعضد ما ذكرنا عدم تنبيه أحد من أصحابنا على صحّة الاحتمال الأوّل مع أن العادة تقتضيه لو صح لأن أكثر الأوامر الواردة عن الأئمة عليهم السلام بصيغة المضارع فيحصل شدّة الاحتياج إلى ذلك وبالجملة المستفاد من القائلين بعدم كون الأمر للتكرار حتّى من العامة عدم كون الصّيغة المزبورة له وأمّا القائلون بكونه للتكرار فيحتمل مصيرهم إلى كون الصّيغة المزبورة له ويحتمل عدمه ولا يمكن دعوى كون مذهبهم مستلزما للأوّل كما لا يخفى مفتاح اختلف الأصوليون في أن الأمر المجرّد عن القرائن هل يدل على الفور ولزوم الإتيان بالمأمور به معجلا أو رجحانه أو لا على أقوال الأوّل أنّه لا يدلّ على ذلك ولا يفيده بل إنما غايته الدلالة على طلب الماهية من غير إشعار بفور ولا تراخ فالآتي بالمأمور به ممتثل فورا كان أو تراخيا وهو للمحقق والعلامة والشهيد الثاني وابنه وسبطه وجمال الدّين الخونساري والفاضل البهائي والحاجبي والعضدي والطوسي والبيضاوي والأصفهاني والتفتازاني والمحكي عن السيّد في الذريعة وعن الشافعي وأصحابه والآمدي والرازي وفي شرح المبادي لفخر الإسلام أنّه مذهب أكثر المحققين وفي المنية أنّه مذهب المتأخرين وفي التعليقة الجمالية أنّه المشهور بين محققي أصحابنا الثاني أنّه يفيد الفور وهو للشيخ والسّكاكي والمحقق في موضع من التحرير والمحكي عن أبي الحسين وأبي بكر الصّيرفي وأبي الحسين الكرخي وأبي حامد والحنفية والمالكية وكثير من الفقهاء والمتكلَّمين وكل من قال بأن الأمر المطلق للتكرار ومال إليه بعض المتأخرين من أصحابنا وقال بعض منهم إن اللَّفظ لا يدل على شيء من الفور والتراخي إلَّا أنّه يلزم التعجيل في الأمر الخالي عن القرائن قال وليس المراد بالفور المبادرة إلى الفعل في أوّل أوقات الإمكان بل بما يعد به المكلَّف الفاعل عرفا مبادرا ومعجّلا وغير متهاون ومتكاهل وهذا أمر يختلف بحسب اختلاف الأمر والمأمور والفعل المأمور به الثالث أنّه يفيد التراخي بمعنى أنّه لو بادر لم يكن ممتثلا وحكي عن البدخشي أنه نسب هذا القول إلى الجبائيين وبعض الأشاعرة وصرّح في جمع الجوامع بوجود القائل به ويظهر هذا من كلام العلامة في المبادي والرازي في المحصول والبيضاوي في المنهاج والأصفهاني والعبري في شرحه ولكن يظهر من جماعة كالعضدي وصاحب البرهان والشّيخ أبي إسحاق فيما حكي عنهما إنكار القائل به ولذا فسر جماعة كالعلامة والمحقق والأسنوي والآمدي فيما حكي عنه القول بالتراخي المنسوب إلى الجبائيين وأبي الحسين البصري والقاضي أبي بكر وجماعة من الشافعية ومن الأشاعرة بأن المراد جواز التراخي لا وجوبه فلا فرق حينئذ بين القول بالماهيّة وهذا القول من حيث المعنى الرّابع أنّه مشترك