السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
112
مفاتيح الأصول
بالحذر عن أنفسهم على أن إضمار الفاعل مع وجود ما يصلح لأن يكون فاعلا في الكلام خلاف الأصل وأيضا إرجاع الضمير المفرد إلى الجمع غير ملائم إلَّا بتأويل كلّ واحد واحد وهو تكلف وعلى تقدير تسليمه يبقى أن تصيبهم بلا عامل لأن الحذر لا يتعدى إلى مفعولين فإن قلت فليكن مفعولا له للحذر أو للمخالفة قلت إصابة الفتنة ليست علة للحذر لامتناع اجتماعها معه ولا للمخالفة لأن المفعول له غرض لفاعل الفعل المعلل به والمخالفون ليس غرضهم إصابة الفتنة فإن قلت فليكن التقدير كراهته أن تصيبهم فتنة فيصلح أن يكون مفعولا له قلت هذا التقدير غير محتاج إليه وقد يقال علي تقدير إسناد الفعل إلى المفعول يثبت وجوب الحذر عن مخالفة الأمر أيضا وذلك لأنه لو وجب الحذر عن مخالف الأمر وجب الحذر عن نفس مخالفة الأمر بطريق أولى فتدبّر ومنها قوله تعالى في سورة والمرسلات وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون وجه الدلالة أنّه تعالى ذمهم على الامتناع عما أمروا به ومخالفتهم له عقيب الأمر لقوله تعالى لا يركعون فإنه ليس باق على حقيقته وهو الإخبار فتعين أن يكون للذّم ولولا أن صيغة افعل للوجوب لما حسن الذّم لا يقال إنا نمنع من كون الذم على ترك المأمور به لجواز أن يكون على تكذيب الرّسل في التّبليغ لقوله تعالى ويل يومئذ للمكذبين أو على استكبارهم لأنه قيل إنها نزلت في ثقيف حين أمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالصّلاة فقالوا لا تنحن فإنه مسبة علينا فقال صلى الله عليه وآله وسلم لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود لأنا نقول ما ذكر باطل لأن ظاهر الآية الشريفة كما صرّح به جملة من المحققين يدل على ترتب الذّم على مجرّد الترك والويل على التكذيب والاحتمالات البعيدة غير قادحة ولا يقال إن الصيغة قد تفيد الوجوب بالقرينة فلعلّ الأمر بالركوع كان مقرونا بها لأنا نقول هذا الاحتمال باطل لمخالفته الظاهر واندفاعه بالأصل ومنها قوله تعالى في سورة الأعراف وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلَّا إبليس لم يكن من السّاجدين قال ما منعك ألَّا تسجد إذا أمرتك وجه الدلالة أنّه تعالى ذمّه على ترك السّجود المأمور به بقوله تعالى ما منعك فإن الاستفهام ليس على حقيقته لاستحالته عليه تعالى فتعين أن يكون للإنكار والتّوبيخ ولولا أنها للوجوب لما استحق الذّم بمجرّد الترك لا يقال الآية الشريفة دلَّت على أن الأمر للوجوب ولا دلالة فيها على أنّ الصّيغة له لأنّا نقول المراد بالأمر فيها صيغة اسجدوا كما صرّح جماعة من المحققين وليس المراد المركب من أمر وإذا ثبت أن الصّيغة المذكورة للوجوب ثبت كون غيرها من سائر الصّيغ الأمرية له للأصل وعدم القائل بالفصل ولا يقال غاية ما استفيد من الآية الشّريفة أن الأمر يومئذ كان للوجوب ولا يلزم أن يكون في زمان الشرع كذلك لأنا نقول ذلك مدفوع بأصالة عدم النقل ولا يقال السّجود لعلَّه كان مندوبا وإنما استحق إبليس لعن الله الذّم لاستكباره ولا ريب أن تارك المندوب استكبارا يستحقه ويقوي هذا قوله تعالى واستكبر وكان من الكافرين لأنا نقول هذا باطل لأنه تعالى رتّب الذّم والتوبيخ على مجرّد مخالفة الأمر من حيث هو أمر فلا يمكن أن يكون الوجه فيها غير ذلك ولا يقال إن الأمر يومئذ لعلَّه كان مقرونا بما يدلّ على الوجوب لأنا نقول هذا مدفوع بالأصل فتأمل ولا يقال إن غاية ما دلت عليه الآية الشريفة أن أمره تعالى له ولا دلالة فيه على أن أمر غيره له لأنا نقول هذا مدفوع بالأصل وظهور الاتفاق على عدم الفرق ومنها قوله تعالى ومن يعص اللَّه ورسوله فإن له نار جهنّم خالدين فيها أبدا وجه الدلالة أنّه تعالى أوجب العقاب على كل عاص وكلّ تارك للمأمور به عاص لقوله تعالى أفعصيت أمري ولا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ولا أعصي لك أمرا وقد صرّح جملة من المحققين بأن العصيان عبارة عن ترك المأمور به بل حكى العضدي عليه الإجماع وفيه نظر لعدم جواز حمل الآية الشريفة على عمومها قطعا فيلزم تخصيصها بمن يستحق الخلود ومعه يسقط الاستدلال بها في محلّ البحث فتأمل ومع هذا فقد قيل إن العصيان يتحقق في ترك المندوب أيضا وإنّه ليس عبارة عن ترك المأمور به وإلَّا لكان قوله تعالى ويفعلون ما يؤمرون عقيب قوله لا يعصون اللَّه ما أمرهم تكرارا خاليا عن الفائدة ومنها جملة من الأخبار منها خبر يونس بن ظبيان قال قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام يا يونس ملعون من ترك أمر اللَّه إن أخذ برّا دمرته وإن أخذ بحرا أغرقته فغضب بغضب الجليل تعالى الحديث ومنها خبر زرارة ومحمّد بن مسلم قالا قلنا لأبي جعفر عليه السّلام ما تقول في الصّلاة في السّفر كيف هي وكم هي فقال إن اللَّه تعالى يقول إذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر قالا قلنا إنما قال اللَّه تعالى ليس عليكم جناح ولم يقل افعلوا فكيف أوجب ذلك كما أوجب التّمام في الحضر فقال عليه السلام أو ليس قال اللَّه تعالى إن الصّفا والمروة من شعائر اللَّه فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطَّوّف ألا تأمرون النّاس بأن الطَّواف بهما واجب مفروض لأن اللَّه تعالى ذكره في كتابه ووصفه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك التقصير وجه الدلالة أن صيغة افعل لو لم تكن للوجوب لما صحّ