السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
113
مفاتيح الأصول
منهما ذلك وما قررهما المعصوم عليه السلام هنالك ومنها خبر عبد اللَّه بن ميمون عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله لولا أن أشق على أمّتي لأمرتهم بالسّواك مع كل صلاة وجه الدلالة أنّه صلى الله عليه وآله نفي الأمر مع ثبوت النّدبية اتفاقا كما حكاه جماعة ولولا أنه للوجوب لما كان للنفي معنى ومنها خبر بريرة وهي كانت جارية لعائشة ولها زوج كان عبدا فلمّا أعتقتها عائشة وعلمت بالتخيير اختارت مفارقة زوجها فاشتكى فراقها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لها النّبي صلى الله عليه وآله وسلم ارجعي إلى زوجك فإنه أبو ولدك وله عليك حق فقالت يا رسول اللَّه أتأمرني بذلك فقال إنّما أنا شافع فقالت لا حاجة لي فيه ولولا كون الأمر للوجوب لكان إثبات الشفاعة المندوب قبولها مع نفي الأمر تناقضا إذ استحباب قبولها يقتضي ندبية الرّجوع وعدم الأمر يقتضي عدم ندبيته لو كان الأمر للندب ومنها ما روي من أنّه صلى الله عليه وآله وبخ أبا سعيد الخدري لما دعاه وهو في الصّلاة فلم يجبه بقوله ألم تسمع اللَّه يقول يا أيها الَّذين آمنوا استجيبوا للَّه وللرّسول إذا دعاكم وقد يقال هذه الأخبار لا تنهض لإثبات المدعى أمّا الأوّل فلوجهين أحدهما أنه ضعيف السّند لاشتماله على سهل بن زياد الضعيف على الظاهر وعلى بكر بن صالح وقد ضعفه النجاشي وغيره وقالا إنّه كثير التفرد بالغرائب وعلى يونس بن ظبيان وضعفه النجاشي وقال الفضل بن شاذان وابن الغضائري إنّه كذاب ولعنه الإمام عليه السلام وثانيهما اختصاص مورده بأمر اللَّه تعالى فلا يتعدى إلى غيره فتأمل وأمّا الثّاني فلوجهين أيضا أحدهما أنّه ضعيف السّند أيضا لأن طريق الصّدوق إلى محمد بن مسلم وزرارة معا غير معلوم نعم طريقه إلى كلّ منهما متفردا عن الآخر معلوم صحته على ما قيل وهو لا يجدي كما صرّح به جدي رحمه الله وثانيهما اختصاصه بمورد معين فلا يفيد العموم فتأمل وأمّا الثالث فلعدم دلالته على اختصاص الأمر بالوجوب لجواز أن يكون مشتركا لفظيّا أو معنويّا ويكون المراد بقوله صلى الله عليه وآله لأمرتهم لألزمنّهم وأوجبت عليهم والقرينة نفى الأمر وثبوت الندبية فتأمل وأمّا الرابع فلقصوره دلالة إذ غاية ما يستفاد منه أن أمر النبي صلى الله عليه وآله له ولا دلالة فيه على أن سائر الأوامر له مع عدم وضوح سنده فتأمل وأمّا الخامس فلعدم وضوح سنده إلَّا أن يقال إنّه مجبور بالشهرة العظيمة كانجبار كثير من الأخبار الضعيفة بها وفيه نظر ومنها أن الوجوب معنى يشتد الحاجة إلى التعبير عنه فوجب أن يوضع له لفظ كسائر المعاني المحتاج إليها ولا لفظ إلَّا صيغة افعل وفيه نظر لمعارضته بأن الطلب والنّدب كالوجوب في الاحتياج إليها ولا لفظ إلَّا صيغة افعل ولا ترجيح بل قيل إن الترجيح مع وضعه للطلب لكونه أعمّ والعام قد يستعمل في الخاص حقيقة من دون عكس ومع ذلك فلا نسلَّم انحصار اللَّفظ الدّال على الوجوب في صيغة افعل لوجود لفظ أوجبت وألزمت نعم هما لفظان خبريّان وافعل إنشائي ولكن الغرض رفع الحاجة وهو يحصل بالإنشاء والإخبار ومنها أن حمل الأمر على الوجوب يفيد القطع بعدم المخالفة ولا كذلك الحمل على غيره فكان الأول أولى عقلا ونقلا وفيه نظر لأن إثبات وضع اللفظ بنحو ذلك واضح الفساد ومع ذلك فليس المقام مقام وجوب الاحتياط بل ادعى في الغنية أنّه ضدّ الاحتياط محتجّا بأنه يؤدي إلى أفعال قبيحة منها اعتقاد وجوب الفعل ومنها العزم على أدائه على هذا الوجه ومنها اعتقاد قبح تركه وربما قد كره هذا الترك وكل ذلك قبيح لأنّ كلّ من أقدم عليه يجوز قبحه لتجويزه كون المأمور به غير واجب والإقدام على ما لا يؤمن قبحه في القبح كالإقدام على ما يقطع على ذلك فيه ومنها دعوى جماعة من المحققين كالسيد المرتضى وابن زهرة والشيخ والعلامة والفاضل البهائي وجدي رحمه الله والحاجبي والعضدي وغيرهم الإجماع على أنّ الأمر في الشريعة للوجوب والإجماع المنقول بخبر الواحد العدل الثبت حجّة وهو هنا وإن كان أخص من المدّعى إلَّا أنّه يتمّ بالأصل وللقائلين بالوضع للندب وجوه منها قوله عليه السلام إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وجه الاستدلال أنّه عليه السلام فوض الإتيان بالمأمور به إلى مشيتنا وهو معنى الندب إذ الواجب غير مفوّض إلى اختيارنا ومنها أن أهل اللَّغة قالوا لا فرق بين السّؤال والأمر إلَّا الرتبة فإن مرتبة الأمر أعلى من رتبة السّائل والسؤال إنما يدلّ على النّدب فكذلك الأمر إذ لو دلّ على الإيجاب لكان بينهما فرق آخر وهو خلاف ما قالوه ومنها أن فعله خير من تركه فهو داخل في الواجب فكل واجب مندوب ولا عكس لأن الواجب ما يلام على تركه ولا كذلك المندوب فوجب جعل الأمر حقيقة فيه لكونه متيقنا وفي جميع الوجوه المذكورة نظر أمّا الأوّل فلضعفه سندا ودلالة أمّا الأول فلأنه رواية مرسلة كما لا يخفى والمرسل لا يكون حجة لا يقال هو مجبور بشهرة الرّواية نقلا في الكتب واستناد معظم الأصحاب إليها في مواضع عديدة وتلقّيهم لها بالقبول في موارد كثيرة لأنا نقول صلاحية الأمرين للجبر غير ظاهرة كما لا يخفى وأمّا الثاني فلأنه عليه السلام رد الإتيان بالمأمور به إلى استطاعتنا لا إلى مشيّتنا فلا دلالة فيه على مدعى الخصم بل زعم بعض دلالته على أن الأمر للوجوب هذا وقد أجيب عن الرّواية