السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

101

مفاتيح الأصول

الوضع لهما أولى لأنهما مركَّبان من الجمعية وقيد زائد وهو الترتيب والمعيّة والمركب يستلزم الدّلالة على المطلق والأخصّ يدلّ على الأعمّ بالتضمن ولا عكس لأن العام لا يدلّ على الخاص بشيء من الدلالات على أنا نمنع من وجوب الوضع للمعنى المشتد إليه الحاجة كما هو خيرة جمع من أعاظم الأصوليّين لأنا نقول لا نسلم اشتداد الحاجة إلى التعبير عن المعيّة والترتيب سلمنا ولكن الوضع للمعنى الأعم أولى لأن الحاجة إلى التعبير عنه أشد فإن الحاجة إلى الخاص يستلزم الحاجة إليه وقد يحتاج إلى العام ويستغني عن التعبير عن الخاص ولأنها لو وضعت الخاص لكان استعمالها في العام عند الحاجة مجازا ولا كذلك لإمكان الاستعمال فيه دون التجوز فتأمل وأمّا منع وجوب الوضع للمعنى المشتد إليه الحاجة تضعيف الثّاني أنها قد استعملت في الجمعية المطلقة ولم يثبت استعمالها في الترتيب والمعيّة فالأصل عدمه فيكون من قبيل اللَّفظ المستعمل في معنى واحد وقد ثبت أن الأصل في الاستعمال هنا الحقيقة أمّا استعمالها في الجمعية المطلقة فلشيوع اختصم زيد وعمرو فإن الواو فيه ليست للترتيب قطعا وقد ادعى ابن عصفور في شرح الإيضاح على ما حكي نفى الخلاف في ذلك ولا للمعية أيضا ولقوله تعالى في سورة البقرة ادخلوا الباب سجّدا وقولوا حطَّة وقوله تعالى في سورة الأعراف قولوا حطة وادخلوا الباب سجّدا فإن الواو فيها ليست للترتيب وإلَّا لزم التناقض لاتحاد القضية ولا للمعية أيضا ولقوله تعالى فتحرير رقبة ودية مسلَّمة وقوله تعالى أو تقطع أيديهم وأرجلهم وقوله تعالى السّارق والسّارقة والزّانية والزّاني لعدم إرادة التّرتيب منها كما في النهاية ولا المعيّة ثم لو سلمنا ثبوت الاستعمال فيهما كالجمع المطلق فنقول الأصل أن يكون حقيقة فيه دفعا للاشتراك اللازم على القول بأنه حقيقة في الترتيب والمعيّة وللمجاز اللَّازم على القول بأنّه حقيقة في أحدهما دون الآخر سلمنا بطلان هذا الأصل لكن لا شك في أن استعمالها في الجمعيّة أكثر وفيهما أقل فالظاهر أنها حقيقة في الأكثر استعمالا تقليلا للمجاز لا يقال المنع من الاستعمال في الترتيب والمعيّة بعيد فإن في القول بكونها حقيقة فيهما شهادة بالاستعمال فيهما إذ لولاه لما جاز القول بذلك وليس في القول بكونها حقيقة في الجمع المطلق شهادة بعدم الاستعمال فيهما لأنّ الاستعمال فيهما لا ينافي ذلك بل لا يبعد دعوى الوفاق على استعمالها فيهما فإنه لو لم يستعمل فيهما لكان للقائلين بالجمع المطلق أن يبطلوا القول بخلافه من هذه الجهة ولم أجد أحدا منهم تمسّك به في ردّه على أنا نقول قد استعمل في الترتيب في قوله تعالى يا أيها الَّذين آمنوا اركعوا واسجدوا وقول الفقهاء في بحث الوضوء غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين وأمّا دعوى أولوية الوضع للقدر المشترك فهي ممنوعة كدلالة كثرة الاستعمال على الحقيقة وقلَّته على المجاز لأنا نقول لا يثبت بما ذكر الاستعمال فيهما سلمنا ولكن قد بينّا أنّ الاشتراك المعنوي أولى من اللفظي والحقيقة والمجاز وأن كثرة الاستعمال دليل الحقيقة والمنع من هذين ليس في محلَّه الثالث أنّه يقال قال زيد وعمرو قبله أو بعده ولو كانت للترتيب أو للمعية لزم التناقض أو التكرار لا يقال نمنع من دلالة نحو ذلك على الوضع للمعنى الأعم كما عليه جماعة لأنا نقول إن الظاهر دلالته على ذلك وفاقا لبعض وسيأتي الإشارة إلى حجّته إن شاء الله الرابع أنها لو كانت للترتيب أو المعية لكان القائل جاءني زيد وعمرو كاذبا إذا علم مجيئهما في حال واحد أو تقدم عمرو في المجيء والتالي باطل لا يقال إرادة المجاز يمنع من الكذب كما في رأيت أسدا وقد رأى شجاعا كما صرّح به الآمدي لأنا نقول إرادة المجاز إنما يمنع من الكذب حيث يقترن بقرينة تدلّ عليه وأمّا مع عدمها كما هو الفرض فالكذب لازم لو كانت للمعيّة أو للترتيب كما لو صرح به فقال جاءني زيد وعمرو بعده أو معا وكان الواقع خلافه الخامس أنها لو اقتضت الترتيب لصح دخولها على جواب الشرط كالفاء والتالي باطل إجماعا كما في النهاية فكذلك المقدم لا يقال الملازمة ممنوعة وإلَّا لجاز دخول ثم عليه وهو باطل قطعا لأنا نقول الملازمة ثابتة بحكم أصالة جواز إقامة أحد المترادفين مقام الآخر فإنها على تقدير وضعها للترتيب يكون مرادفة للفاء الجزائية وفيه نظر للمنع من ترادفهما على هذا التقدير ووجهه واضح والحق أن هذه الحجة لا تنهض لإثبات المدعى كما لا يخفى السّادس أن الجمعية متيقنة والأصل عدم الزيادة والمعيّة وفيه نظر فإنه لا يجوز التعويل في المسائل اللَّغوية على الأمور الاعتبارية الَّتي من جملتها ما ذكر ومع ذلك فيه أن مقتضى الأصل عند التحقيق هو التخيير بين الترتيب والمعية أو وجوب أحدهما حيث ينتفي احتمال وجوب الآخر لتيقن اشتغال الذّمة بعد ورود الأمر فيجب تحصيل البراءة اليقينية ولا يمكن إلَّا بما ذكر هذا في نحو قوله اضرب زيدا وعمراً وأما في نحو قوله رأيت زيدا وعمراً فلا إشكال في لزوم الحكم بالإجمال فتأمل السّابع دعوى جماعة الإجماع على كونها موضوعة للجمع المطلق فقال العلامة في التهذيب كما عن السّهيلي والسّيرافي قال أبو علي أجمع اللَّغويّون والنحويون والكوفيّون على أن الواو للجمع المطلق وقال المحقق الواو للجمع المطلق لإجماع أهل ذلك وقال نجم الأئمة كون الواو للجمع مذهب جميع البصريين والكوفيين وقال المحقق البهائي الواو العاطفة لمطلق الجمع لنصّ اللَّغويّين وقال الأصفهاني وصاحب الموشح وغيرهما اتفق المحققون على ذلك وقال بعض النحاة الواو لا تدلّ إلَّا على مطلق الجمع عند المحققين واتفق جمهور النّحويين على أنها للجمع من غير ترتيب