ابن كثير

5

البداية والنهاية

ومرتد برداء ومعه الدرة كأنه أعرابي بدوي فقلت : من هذا ؟ فقال لي رجل : أراك غريبا بهذا البلد . فقلت : أجل أنا رجل من أهل البصرة ، فقال : هذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين حتى انتهى إلى دار بني أبي معيط وهو يسوق الإبل ، فقال : بيعوا ولا تحلفوا فإن اليمين تنفق السلعة وتمحق البركة ، ثم أتى أصحاب التمر فإذا خادم تبكي فقال : ما يبكيك ؟ فقالت : باعني هذا الرجل تمرا بدرهم فرده موالي فأبى أن يقبله ، فقال له علي : خذ تمرك وأعطها درهما فإنها ليس لها أمر ، فدفعه ، فقلت : أتدري من هذا ؟ فقال : لا فقلت : هذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ، فصبت تمره وأعطاها درهما . ثم قال الرجل : أحب أن ترضى عني يا أمير المؤمنين ، قال : ما أرضاني عنك إذا أوفيت الناس حقوقهم ، ثم مر مجتازا بأصحاب التمر فقال : يا أصحاب التمر اطعموا المساكين يرب كسبكم . ثم مر مجتازا ومعه المسلمون حتى انتهى إلى أصحاب السمك فقال : لا يباع في سوقنا طافي . ثم أتى دار فرات - وهي سوق الكرابيس - فأتى شيخا فقال : يا شيخ أحسن بيعي في قميص بثلاثة دراهم ، فلما عرفه لم يشتر منه شيئا ، ثم آخر فلما عرفه لم يشتر منه شيئا ، فأتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم وكمه ما بين الرسغين إلى الكعبين يقول في لبسه : الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس ، وأواري به عورتي . فقيل له : يا أمير المؤمنين هذا شئ ترويه عن نفسك أو شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : لا ! بل شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند الكسوة . فجاء أبو الغلام صاحب الثوب فقيل له : يا فلان قد باع ابنك اليوم من أمير المؤمنين قميصا بثلاثة دراهم ، قال : أفلا أخذت منه درهمين ؟ فأخذ منه أبوه درهما ثم جاء به إلى أمير المؤمنين وهو جالس مع المسلمين على باب الرحبة فقال : أمسك هذا الدرهم . فقال : ما شأن هذا الدرهم ؟ فقال إنما ثمن القميص درهمين ، فقال : باعني رضاي وأخذ رضاه . وقال عمرو بن شمر ، عن جابر الجعفي عن الشعبي قال : وجد علي بن أبي طالب درعه عند رجل نصراني فأقبل به إلى شريح يخاصمه ، قال : فجاء علي حتى جلس جنب شريح وقال : يا شريح لو كان خصمي مسلما ما جلست إلا معه ، ولكنه نصراني وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا كنتم وإياهم في طريق فاضطروهم إلى مضايقه ، وصغروا بهم كما صغر الله بهم من غير أن تطغوا " ثم قال : هذا الدرع درعي ولم أبع ولم أهب ، فقال شريح للنصراني : ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين ؟ فقال النصراني : ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب ، فالتفت شريح إلى علي فقال : يا أمير المؤمنين هل من بينة ؟ فضحك علي وقال أصاب شريح ، مالي بينة ، فقضى بها شريح للنصراني ، قال فأخذه النصراني ومشى خطأ ثم رجع فقال : أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء ، أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه يقضي عليه ، أشهد إن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين اتبعت الجيش وأنت منطلق إلى صفين فخرجت من بعيرك الأورق . فقال : أما إذ أسلمت فهي لك ، وحمله على فرس . قال الشعبي : فأخبرني من رآه يقاتل الخوارج يوم النهروان . وقال سعيد بن عبيد عن علي بن ربيعة : جاء جعدة بن هبيرة إلى علي فقال : يا أمير المؤمنين يأتيك الرجلان أنت أحب إلى