ابن كثير
376
البداية والنهاية
ألفا : وأنه نصب المنجنيق على أبي قبيس ليرمي به المسجد الحرام ، وأنه أمن من خرج إليه من أهل مكة ونادى فيهم بذلك ، وقال : إنا لم نأت لقتال أحد سوى ابن الزبير ، وأنه خير ابن الزبير بين ثلاث إما أن يذهب في الأرض حيث شاء ، أو يبعثه إلى الشام مقيدا بالحديد ، أو يقاتل حتى يقتل . فشاور أمه فأشارت عليه بالثالث فقط ، ويروى أنها استدعت بكفن له وبخرته وشجعته على القتل ، فخرج بهذه النية فقاتل يوم الثلاثاء السابع عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين قتالا شديدا فجاءته آجرة ففلقت رأسه فسقط على وجهه إلى الأرض ، ثم أراد أن ينهض فلم يقدر ، فاتكأ على مرفقه الأيسر وجعل يحدم بالسيف من جاءه ، فأقبل إليه رجل من أهل الشام فضربه فقطع رجله ، ثم تكاثروا عليه حتى قتلوه واحتزوا رأسه ، وكان مقتله قريبا من الحجون ، ويقال : بل قتل وهو متعلق بأستار الكعبة فالله أعلم . ثم صلبه الحجاج منكسا على ثنية كدا عند الحجون ، ثم لما أنزله دفنه في مقابر اليهود كما رواه مسلم ، وقيل دفن بالحجون بالمكان الذي صلب فيه ، فالله أعلم . وقال عبد الرزاق عن معمر ، عن أيوب عن ابن سيرين قال قال عبد الله بن الزبير لما جئ برأس المختار : ما كان يحدثنا كعب الأحبار شيئا إلا وجدناه إلا قوله إن فتى ثقيف يقتلني ، وهذا رأسه بين يدي ، قال ابن سيرين : ولم يشعر أنه قد خبئ له الحجاج . وروي هذا من وجه آخر . قلت : والمشهور أن مقتل الزبير كان في سنة ثلاث وسبعين يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى ، وقيل الآخرة منها ، وعن مالك وغيره أن مقتله كان على رأس اثنين وسبعين ، والمشهور الصحيح هو الأول ، وكانت بيعته في سابع رجب سنة أربع وستين ، وكان مولده في أول سنة إحدى من الهجرة ، وقيل في شوال سنة ثنتين من الهجرة ، فمات وقد جاوز السبعين قطعا والله أعلم . وأما أمه فإنها لم تعش بعده إلا مائة يوم ، وقيل عشرة أيام ، وقيل خمسة ، والأول هو المشهور وستأتي ترجمتها قريبا رضي الله عنها وعن أبيها وابنها ، وقد رثي ابن الزبير وأخوه مصعب بمراث كثيرة حسنة بليغة ، من ذلك قول معمر بن أبي معمر الذهلي يرثيهما بأبيات : لعمرك ما أبقيت في الناس حاجة * ولا كنت ملبوس الهدى متذبذبا غداة دعاني مصعب فأجبته * وقلت له أهلا وسهلا ومرحبا أبوك حواري الرسول وسيفه * فأنت بحمد الله من خيرنا أبا وذاك أخوك المهتدى بضيائه * بمكة يدعونا دعاء مثوبا ولم أك ذا وجهين وجه لمصعب * مريض ووجه لابن مروان إذ صبا وكنت امرأ ناصحته غير مؤثر * عليه ابن مروان ولا متقربا إليه بما تقذى به عين مصعب * ولكنني ناصحت في الله مصعبا إلى أن رمته الحادثات بسهمها * فيالله سهما ما أسد وأصوبا فان يك هذا الدهر أردى بمصعب * وأصبح عبد الله شلوا ملحبا