ابن كثير

377

البداية والنهاية

فكل امرئ حاس من الموت جرعة * وإن حاد عنها جهده وتهيبا وقيل : إن عبد الله بن الزبير غسلته أمه أسماء بعد أن قطعت مفاصيله وحنطته وطيبته وكفنته وصلت عليه وحملته إلى المدينة ، فدفنته بدار صفية بنت حيي ، ثم إن هذه الدار زيدت في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدفون في المسجد مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ، وقد ذكر ذلك غير واحد فالله أعلم . وقد روى الطبراني عن عامر بن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دم محاجمه يهريقه فحساه ، فلما رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " ما صنعت يا عبد الله بالدم ؟ قلت : جعلته في مكان ظننت أنه خاف على الناس ، قال : فلعلك شربته ؟ قلت : نعم ! قال : ومن أمرك أن تشرب الدم ؟ ويل لك من الناس ، وويل للناس منك " . ودخل سلمان الفارسي مرة على النبي صلى الله عليه وسلم فإذا عبد الله بن الزبير قائم في الدهليز ومعه طست يشرب منه ، فدخل سلمان ودخل عبد الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال له : " فرغت ؟ قال : نعم . قال سلمان : وما ذاك يا رسول الله ؟ قال : أعطيته غسالة محاجمي يهريق ما فيها ، قال سلمان : شربها والذي بعثك بالحق ، قال شربته ؟ قال : نعم ! قال : لم ؟ قال : أحببت أن يكون دم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوفي ، فقال بيده على رأس ابن الزبير ، وقال : ويل لك من الناس ، وويل للناس منك ، لا تمسك النار إلا تحلة القسم " . ولما بعث يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير ذلك القيد من ذهب وسلسلة من فضة وجامعة من فضة وأقسم لتأتيني فيها ، فقالوا له : بر قسم أمير المؤمنين فقال : ولا ألين لغير الحق أسأله * حتى تلين لضرس الماضغ الحجر ثم قال : والله لضربة بسيف بعز ، أحب إلي من ضربة بسوط في ذل ، ثم دعا إلى نفسه وأظهر الخلاف ليزيد بن معاوية . وروى الطبراني أن ابن الزبير دخل على أمه فقال : إن في الموت لراحة ، وكانت أمه قد أتت عليها مائة سنة لم تسقط لها سن ، ولم يفسد لها بصر ، فقالت : ما أحب أن أموت حتى آتي على أحد طرفيك ، إما أن تملك فتقر عيني ، وإما أن تقتل فأحتسبك ، ثم خرج عنها وهو يقول : ولست بمبتاع الحياة بسبة * ولا بمريق من خشية الموت سلما ( 1 ) ثم أقبل على آل الزبير يعظهم ويقول ليكن أحدكم سيفه كما وجهه فيدفع عن نفسه بيده كأنه أمراه ، والله ما بقيت زحفا قط إلا في الرعيل الأول ، وما ألمت جرحا إلا ألم الدواء ، ثم حمل

--> ( 1 ) في الطبري 7 / 205 : ولا مرتق من خشية الموت سلما . وفي مروج الذهب 3 / 137 : ولا أبتغي من رهبة الموت سلما . والبيت للحصين بن الحمام من المفضلية .