ابن كثير

375

البداية والنهاية

مولى أسماء قال : لما قتل عبد الله خرجت إليه أمه حتى وقفت عليه وهي على دابة ، فأقبل الحجاج في أصحابه فسأل عنها فأخبر بها ، فأقبل حتى وقف عليها فقال : كيف رأيت نصر الله الحق وأظهره ؟ فقالت : ربما أديل الباطل على الحق وأهله ، وإنك بين فرثها والجنة ، فقال إن ابنك ألحد في هذا البيت ، وقد قال الله تعالى : * ( ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) * [ الحج : 25 ] وقد أذقه الله ذلك العذاب الأليم ، قالت : كذبت ، كان أول مولود ولد في الاسلام بالمدينة ، وسر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحنكه بيده وكبر المسلمون يومئذ حتى ارتجت المدينة فرحا به ، وقد فرحت أنت وأصحابك بمقتله ، فمن كان فرح يومئذ بمولده خير منك ومن أصحابك ، وكان مع ذلك برا بالوالدين صواما قواما بكتاب الله ، معظما لحرم الله ، يبغض من يعصى الله عز وجل ، أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لسمعته يقول : " يخرج من ثقيف كذاب ومبير " وفي رواية : " سيخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول وهو مبير " فانكسر الحجاج وانصرف ، فبلغ ذلك عبد الملك فكتب إليه يلومه في مخاطبته أسماء ، وقال : مالك ولابنة الرجل الصالح ؟ وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه : ثنا عقبة بن مكرم ، حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي ، أنبأنا الأسود بن شيبان عن أبي نوفل . قال : رأيت عبد الله بن الزبير على ثنية الحجون مصلوبا فجعلت قريش تمر عليه والناس حتى مر عليه عبد الله بن عمر فوقف عليه فقال : السلام عليك أبا خبيب ، السلام عليك أبا خبيب ، السلام عليك أبا خبيب ، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا ، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا ، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا ، أما والله إن كنت ما علمت صواما قواما وصولا للرحم ، أما والله لامة أنت شرها لامة خير ، ثم بعد عبد الله بن عمر . فبلغ الحجاج وقوف ابن عمر عليه وقوله ما قال ، فأرسل إليه فأنزله عن جذعه وألقي في قبور اليهود ، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر فأبت أن تأتيه فأعاد عليها الرسول لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك من قرونك ، فأبت وقالت : والله لا آتيه حتى يبعث إلي من يسحبني بقروني ، فقال الحجاج : أروني سبتيتي فأخذ نعليه ثم انطلق يتوذف حتى دخل عليها فقال : كيف رأيتني صنعت بعد والله ؟ قالت رأيتك فسدت عليه دنياه ، وأفسدت عليك آخرتك ، بلغني أنك تقول : يا بن ذات النطاقين ، أنا والله ذات النطاقين ، أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعام أبي بكر ، وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه ، أما إن رسول الله حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا ، فأما الكذاب فرأيناه ، وأما المبير فلا أخالك إلا إياه . قال : فقام عنها ولم يراجعها " انفرد به مسلم . وروى الواقدي أن الحجاج لما صلب ابن الزبير على ثنية الحجون بعثت إليه أسماء تدعو عليه ، وطلبت منه أن يدفن فأبى عليها ، حتى كتب إلى عبد الملك في ذلك فكتب إليه أن يدفن فدفن بالحجون ، وذكروا أنه كان يشتم من عند قبره ريح المسك . وكان الحجاج قد قدم من الشام في ألفي فارس وانضاف إليه طارق بن عمرو في خمسة آلاف ، وروى محمد بن سعد وغيره بسنده أن الحجاج حاصر ابن الزبير ، وأنه اجتمع معه أربعون