ابن كثير

364

البداية والنهاية

فنزلت صاعقة على المنجنيق فأحرقته ، فتوقف أهل الشام عن الرمي والمحاصرة فخطبهم الحجاج فقال : ويحكم ألم تعلموا أن النار كانت تنزل على من كان قبلنا فتأكل قربانهم إذا تقبل منهم ؟ فلولا أن عملكم مقبول ما نزلت النار فأكلته ، فعادوا إلى المحاصرة . وما زال أهل مكة يخرجون إلى الحجاج بالأمان ويتركون ابن الزبير حتى خرج إليه قريب من عشرة آلاف ، فأمنهم وقل أصحاب ابن الزبير جدا ، حتى خرج إلى الحجاج حمزة وخبيب ابنا عبد الله بن الزبير ، فأخذا لأنفسهما أمانا من الحجاج فأمنهما ، ودخل عبد الله بن الزبير على أمه فشكا إليها خذلان الناس له ، وخروجهم إلى الحجاج حتى أولاده وأهله ، وأنه لم يبق معه إلا اليسير ، ولم يبق لهم صبر ساعة ، والقوم يعطونني ما شئت من الدنيا ، فما رأيك ؟ فقالت : يا بني أنت أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق فاصبر عليه فقد قتل عليه أصحابك ، ولا تمكن من رقبتك يلعب بها غلمان بني أمية ، وإن كنت تعلم أنك إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت ، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك ، وإن كنت على حق فما وهن الدين وإلى كم خلودك في الدنيا ؟ القتل أحسن . فدنا منها فقبل رأسها وقال : هذا والله رأيي ، ثم قال : والله ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها ، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمته ، ولكني أحببت أن أعلم رأيك فزدتيني بصيرة مع بصيرتي ، فانظري يا أماه فإني مقتول في يومي هذا فلا يشتد حزنك ، وسلمي لأمر الله ، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر ، ولا عمل بفاحشة قط ، ولم يجر في حكم الله ، ولم يغدر في أمان ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد ، ولم يبلغني ظلم عن عامل فرضيته بل أنكرته ، ولم يكن عندي آثر من رضى ربي عز وجل ، اللهم إني لا أقول هذا تزكية لنفسي ، اللهم أنت أعلم بي مني ومن غيري ، ولكني أقول ذلك تعزية لأمي لتسلو عني ، فقالت أمه : إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنا ، إن تقدمتني أو تقدمتك ، ففي نفسي اخرج يا بني حتى أنظر ما يصير إليه أمرك ، فقال جزاك الله يا أمه خيرا فلا تدعي الدعاء قبل وبعد . فقالت : لا أدعه أبدا لمن قتل على باطل فلقد قتلت على حق ، ثم قالت : اللهم ارحم طول ذلك القيام وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة ، وبره بأبيه وبي ، اللهم إني قد سلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت فقابلني في عبد الله بن الزبير بثواب الصابرين الشاكرين . ثم أخذته إليها فاحتضنته لتودعه واعتنقها ليودعها - وكانت قد أضرت في آخر عمرها - فوجدته لابسا درعا من حديد فقالت : يا بني ما هذا لباس من يريد ما نريد من الشهادة ! ! فقال : يا أماه إنما لبسته لأطيب خاطرك وأسكن قلبك به ، فقالت : لا يا بني ولكن