ابن كثير

365

البداية والنهاية

انزعه فنزعه وجعل يلبس بقية ثيابه ويتشدد وهي تقول : شمر ثيابك ، وجعل يتحفظ من أسفل ثيابه لئلا تبدو عورته إذا قتل ، وجعلت تذكره بأبيه الزبير ، وجده أبي بكر الصديق ، وجدته صفية بنت عبد المطلب ، وخالته عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وترجيه القدوم عليهما إذا هو قتل شهيدا ، ثم خرج من عندها فكان ذلك آخر عهده بها رضي الله عنهما وعن أبيه وأبيها . قالوا : وكان يخرج من باب المسجد الحرام وهناك خمسمائة فارس وراجل فيحمل عليهم فيتفرقون عنه يمينا وشمالا ، ولا يثبت له أحد وهو يقول : إني إذا أعرف يومي أصبر ( 1 ) * إذ بعضهم يعرف ثم ينكر وكانت أبواب الحرم قد قل من يحرسها من أصحاب ابن الزبير ، وكان لأهل حمص حصار الباب الذي يواجه باب الكعبة ، ولأهل دمشق باب بني شيبة ، ولأهل الأردن باب الصفا ، ولأهل فلسطين باب بنى جمح ، ولأهل قنسرين باب بني سهم ( 2 ) ، وعلى كل باب قائد ومعه أهل تلك البلاد ، وكان الحجاج وطارق بن عمرو في ناحية الأبطح ، وكان ابن الزبير لا يخرج على أهل الباب إلا فرقهم وبدد شملهم ، وهو غير ملبس حتى يخرجهم إلى الأبطح ثم يصيح : لو كان قرني واحدا كفيته فيقول ابن صفوان وأهل الشام أيضا : إي والله وألف رجل ، ولقد كان حجر المنجنيق يقع على طرف ثوبه فلا ينزعج بذلك ، ثم يخرج إليهم فيقاتلهم كأنه أسد ضاري ، حتى جعل الناس يتعجبون من إقدامه وشجاعته ، فلما كان ليلة الثلاثاء السابع عشر من جمادى الأولى من هذه السنة بات ابن الزبير يصلي طول ليلته ثم جلس فاحتبى بحميلة سيفه فأغفى ثم انتبه مع الفجر على عادته ، ثم قال : أذن يا سعد ، فأذن عند المقام ، وتوضأ ابن الزبير ثم صلى ركعتي الفجر ، ثم أقيمت الصلاة فصلى الفجر ، ثم قرأ سورة ن حرفا حرفا ( 3 ) ، ثم سلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : اكشفوا وجوهكم حتى أنظر إليكم ، فكشفوا وجوههم وعليهم المغافر ، فحرضهم وحثهم على القتال والصبر ، ثم نهض ثم حمل وحملوا حتى كشفوهم إلى الحجون فجاءته آجرة فأصابته في وجهه فارتعش لها ( 4 ) ، فلما وجد سخونة الدم يسيل على وجهه تمثل بقول بعضهم :

--> ( 1 ) زيد في الطبري 7 / 204 وابن الأثير 4 / 355 شعرا بعده : وإنما يعرف يوميه الحر وفي ابن الأثير : يومه . ( 2 ) في ابن الأثير : بني تميم . ( 3 ) كذا بالأصل والطبري 7 / 204 وتاريخ الاسلام للذهبي 3 / 174 وفي ابن الأعثم 6 / 278 : فقرأ بهم الركعة الأولى بأم الكتاب وسبح اسم ربك الاعلى وفي الثانية بأم الكتاب وسورة الاخلاص . ( 4 ) في ابن الأثير : رماه رجل من السكون ، وفي ابن الأعثم 6 / 279 : واعتوره رجلان من أهل الشام فضربه أحدهما بسيفه فأوهنه ، وضربه الآخر على رأسه فسقط .