ابن كثير
11
البداية والنهاية
نبيط بن شريط عن أبيه عن جده قال : قال علي بن أبي طالب : إذا اشتملت على الناس القلوب * وضاق بما به الصدر الرحيب وأوطنت المكاره واطمأنت * وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضر وجها * ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منك غوث * يمن به القريب المستجيب وكل الحادثات إذا تناهت * فموصول بها الفرج القريب ومما أنشده أبو بكر محمد بن يحيى الصولي لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب : ألا فاصبر على الحدث الجليل * وداو جواك بالصبر الجميل ولا تجزع فإن أعسرت يوما * فقد أيسرت في الدهر الطويل ولا تظنن بربك ظن سوء * فإن الله أولى بالجميل فإن العسر يتبعه يسار * وقول الله أصدق كل قبل فلو أن العقول تجر رزقا * لكان الرزق عند ذوي العقول فكم من مؤمن قد جاع يوما * سيروى من رحيق السلسبيل فمن هوان الدنيا على الله أنه سبحانه يجيع المؤمن مع نفاسته ، ويشبع الكلب مع خساسته ، والكافر يأكل ويشرب ، ويلبس ويتمتع ، والمؤمن يجوع ويعرى ، وذلك لحكمة اقتضتها حكمة أحكم الحاكمين . ومما أنشده علي بن جعفر الوراق لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب : أجد الثياب إذا اكتسيت فإنها * زين الرجال بها تعز وتكرم ودع التواضع في الثياب تخشعا * فالله يعلم ما تجن وتكتم فرثاث ثوبك لا يزيدك زلفة * عند الاله وأنت عبد مجرم وبهاء ثوبك لا يضرك بعد أن * تخشى الاله وتتقي ما يحرم وهذا كما جاء في الحديث : " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ثيابكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " وقال الثوري : ليس الزهد في الدنيا بلبس العبا ولا بأكل الخشن ، إنما الزهد في الدنيا قصر الامل . وقال أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر المبرد : كان مكتوبا على سيف علي : للناس حرص على الدنيا وتدبير * وفي مراد الهوى عقل وتشمير وإن أتوا طاعة لله ربهم * فالعقل منهم عن الطاعات مأسور لأجل هذا وذاك الحرص قد مزجت * صفاء عيشاتها هم وتكدير لم يرزقوها بعقل عندما قسمت * لكنهم رزقوها بالمقادير