ابن كثير
91
البداية والنهاية
الجابية ورفع عن الناس الوباء ( 1 ) . وقال محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح بن شهر بن حوشب عن رابة - رجل من قومه - . وكان قد خلف على أمه بعد أبيه ، وكان قد شهد طاعون عمواس . قال : لما اشتعل الوجع قام أبو عبيدة في الناس خطيبا فقال : أيها الناس ، إن هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيكم ( 2 ) وموت الصالحين قبلكم ، وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم لأبي عبيدة [ منه ] حظه ، فطعن ، فمات واستخلف على الناس معاذ بن جبل ، فقام خطيبا بعده . فقال : أيها الناس ، إن هذا الوجع رحمة بكم ، ودعوة نبيكم ، وموت الصالحين قبلكم ، وإن معاذا يسأل الله تعالى أن يقسم لآل معاذ [ منه ] حظهم ، فطعن ابنه عبد الرحمن فمات ، ثم قام فدعا لنفسه فطعن في راحته فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقلب ( 3 ) ظهر كفه ثم يقول : ما أحب أن لي بما فيك شيئا من الدنيا . فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص فقام فيهم خطيبا فقال : أيها الناس ، إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال نار ، فتحصنوا ( 4 ) منه في الجبال . فقال أبو وائل الهذلي : كذبت والله لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت شر من حماري هذا . فقال : والله ما أرد عليك ما تقول ، وأيم الله لا نقيم عليه . قال : ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا ودفعه الله عنهم . قال : فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من رأي عمرو بن العاص فوالله ما كرهه . قال ابن إسحاق : ولما انتهى إلى عمر مصاب أبي عبيدة ويزيد بن أبي سفيان ، أمر معاوية على جند دمشق وخراجها ، وأمر شرحبيل بن حسنة على جند الأردن وخراجها . وقال سيف بن عمر عن شيوخه قالوا : لما كان طاعون عمواس وقع مرتين لم ير مثلهما ( 5 ) وطال مكثه ، وفني خلق كثير من الناس ، حتى طمع العدو وتخوفت قلوب المسلمين لذلك . قلت : ولهذا قدم عمر بعد ذلك إلى الشام فقسم مواريث الذين ماتوا لما أشكل أمرها على الامراء ، وطابت قلوب الناس بقدومه ، وانقمعت الأعداء من كل جانب لمجيئه إلى الشام ولله الحمد والمنة .
--> ( 1 ) الخبر في الطبري 4 / 201 والكامل في التاريخ 2 / 558 في حوادث سنة 81 ه . ( 2 ) قوله دعوة نبيكم : حين جاءه جبرائيل فقال : فناء أمتك بالطعن أو الطاعون فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فبالطاعون . ( 3 ) في الطبري : يقبل ، وفي الكامل : يقبلها . وانظر خطبتيهما في فتوح ابن الأعثم 1 / 312 - 313 . ( 4 ) في الطبري : فتجبلوا . وفي فتوح ابن الأعثم 1 / 313 قال : إن هذا الوباء قد وقع فيكم ، إنما هو وخز من الجن ، فمن أقام به هوى ومن انحاز عنه نجا . ( 5 ) في الطبري : وقع موتانا لم ير مثله . وفي الكامل : وأصاب الناس من الموت ما لم يروا مثله قط ، وكان عدة من مات في طاعون عمواس خمسة وعشرين ألفا .