ابن كثير
92
البداية والنهاية
وقال سيف بعد ذكره قدوم عمر بعد طاعون عمواس في آخر سنة سبع عشرة ، قال : فلما أراد القفول إلى المدينة في ذي الحجة منها خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ألا إني قد وليت عليكم وقضيت الذي علي في الذي ولاني الله من أمركم إن شاء الله ، فبسطنا ( 1 ) بينكم فيأكم ومنازلكم ومغازيكم ، وأبلغناكم ما لدينا ، فجندنا لكم الجنود ، وهيأنا لكم الفروج ، وبوأنا لكم ، ووسعنا عليكم ما بلغ فيؤكم وما قاتلتم عليه من شامكم ، وسمينا لكم أطعماتكم ، وأمرنا لكم بأعطياتكم وأرزاقكم ومغانكم . فمن علم شيئا ينبغي العمل به فليعلمنا نعمل به إن شاء الله ولا قوة إلا بالله . قال وحضرت الصلاة فقال الناس : لو أمرت بلالا فأذن ؟ فأمره فأذن فلم يبق أحد كان أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال يؤذن إلا بكى حتى بل لحيته ، وعمر أشدهم بكاء ، وبكى من لم يدركه لبكائهم ولذكره صلى الله عليه وسلم . وذكر ابن جرير في هذه السنة من طريق سيف بن عمر عن أبي المجالد أن عمر بن الخطاب بعث ينكر على خالد بن الوليد في دخوله إلى الحمام ، وتدلكه بعد النورة بعصفر معجون بخمر ، فقال في كتابه : إن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه ، كما حرم ظاهر الاثم وباطنه ، وقد حرم مس الخمر فلا تمسوها أجسامكم فإنها نجس ، فإن فعلتم فلا تعودوا . فكتب إليه خالد : إنا قتلناها فعادت غسولا غير خمر . فكتب إليه عمر : إني أظن أن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء فلا أماتكم الله عليه فانتهى لذلك . قال سيف : وأصاب أهل البصرة تلك السنة طاعون أيضا فمات بشر كثير وجم غفير ، رحمهم الله ورضي الله عنهم أجمعين . قالوا : وخرج الحارث بن هشام في سبعين من أهله إلى الشام فلم يرجع منهم إلا أربعة . فقال المهاجر بن خالد في ذلك : من يسكن الشام يعرس به * والشام إن لم يفننا كارب أفنى بني ريطة فرسانهم * عشرون لم يقصص لهم شارب ومن بني أعمامهم مثلهم * لمثل هذا يعجب العاجب طعنا وطاعونا مناياهم * ذلك ما خط لنا الكاتب كائنة غريبة فيها عزل خالد عن قنسرين أيضا قال ابن جرير : وفي هذه السنة أدرب خالد بن الوليد وعياض بن غنم ، أي سلكا درب الروم وأغارا عليهم ، فغنموا أموالا عظيمة وسبيا كثيرا . ثم روى من طريق سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع وأبي المجالد . قالوا : لما رجع خالد ومعه أموال جزيلة من الصائفة انتجعه
--> ( 1 ) في الطبري : قسطنا .