ابن كثير

76

البداية والنهاية

لرجل يقال له مالك بن عامر ، كانت علاقته رثة فأخذه الموج ، فدعا صاحبه الله عز وجل ، وقال : اللهم لا تجعلني من بينهم يذهب متاعي . فرده الموج إلى الجانب الذي يقصدونه فأخذه الناس ثم ردوه على صاحبه بعينه . وكان الفرس إذا أعيا وهو في الماء يقيض الله له مثل النشز المرتفع فيقف عليه فيستريح ، وحتى أن بعض الخيل ليسير وما يصل الماء إلى حزامها ، وكان يوما عظيما وأمرا هائلا ، وخطبا جليلا ، وخارقا باهرا ، ومعجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، خلقها الله لأصحابه لم ير مثلها في تلك البلاد ، ولا في بقعة من البقاع ، سوى قضية العلاء بن الحضرمي المتقدمة ، بل هذا أجل وأعظم ، فإن هذا الجيش كان أضعاف ذلك . قالوا : وكان الذي يساير سعد بن أبي وقاص في الماء سلمان الفارسي ، فجعل سعد يقول : حسبنا الله ونعم الوكيل . والله لينصرن الله وليه ويظهرن الله دينه ، وليهزمن الله عدوه ، إن لم يكن في الجيش بغي أو ذنوب تغلب الحسنات . فقال له سلمان : إن الاسلام جديد . ذللت لهم والله البحور ، كما ذلل لهم البر ، أما والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجا كما دخلوا أفواجا . فخرجوا منه كما قال سلمان لم يغرق منهم أحدا ، ولم يفقدوا شيئا ( 1 ) . ولما استقل المسلمون على وجه الأرض خرجت الخيول تنفض أعرافها صاهلة ، فساقوا وراء الأعاجم حتى دخلوا المدائن ، فلم يجدوا بها أحدا ، بل قد أخذ كسرى ( 2 ) أهله وما قدروا عليه من الأموال والأمتعة والحواصل وتركوا ما عجزوا عنه من الانعام والثياب والمتاع ، والآنية والالطاف والأدهان ما لا يدري قيمته . وكان في خزانة كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار ثلاث مرات فأخذوا من ذلك ما قدروا عليه وتركوا ما عجزوا عنه وهو مقدار النصف من ذلك أو ما يقاربه . فكان أول من دخل المدائن كتيبة الأهوال ثم الكتيبة الخرساء ، فأخذوا في سككها لا يلقون أحدا ولا يخشونه ( 3 ) غير القصر الأبيض ففيه مقاتلة وهو محصن . فلما جاء سعد بالجيش دعا أهل القصر الأبيض ثلاثة أيام على لسان سلمان الفارسي ، فلما كان اليوم الثالث نزلوا منه وسكنه سعد واتخذ الإيوان مصلى ، وحين دخله تلا قوله تعالى * ( كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين ) * [ الدخان : 25 ] ثم تقدم إلى صدره فصلى ثمان ركعات صلاة الفتح ، وذكر سيف في روايته أنه صلاها بتسليمة واحدة وأنه جمع بالايوان في صفر من هذه السنة فكانت أول جمعة جمعت بالعراق ، وذلك لان سعدا نوى الإقامة بها ، وبعث إلى العيالات فأنزلهم دور المدائن

--> ( 1 ) سموا يوم عبورهم الدجلة بيوم الجراثيم ، لأنه لم يكن أحد يعبر إلا ظهرت له جرثومة يسير معها وهي من القش المربوطة حزما . ( 2 ) في الطبري والكامل : يزدجرد . ( 3 ) في الكامل : أحدا يخشونه ، وفي الطبري أحدا ولا يحسونه .