ابن كثير

77

البداية والنهاية

واستوطنوها ، حتى فتحوا جلولاء وتكريت والموصل ، ثم تحولوا إلى الكوفة بعد ذلك كما سنذكره . ثم أرسل السرايا في إثر كسرى يزدجرد فلحق بهم طائفة فقتلوهم وشردوهم واستلبوا منهم أموالا عظيمة . وأكثر ما استرجعوا من ملابس كسرى وتاجه وحليه . وشرع سعد في تحصيل ما هنالك من الأموال والحواصل والتحف ، مما لا يقوم ولا يحد ولا يوصف كثرة وعظمة . وقد روينا أنه كان هناك تماثيل من جص فنظر سعد إلى أحدها وإذا هو يشير بأصبعه إلى مكان ، فقال سعد : إن هذا لم يوضع هكذا سدى ، فأخذوا ما يسامت أصبعه فوجدوا قبالتها كنزا عظيما من كنوز الأكاسرة الأوائل ، فأخرجوا منه أموالا عظيمة جزيلة ، وحواصل باهرج ، وتحفا فاخرة . واستحوذ المسلمون على ما هنالك أجمع مما لم يرد أحد في الدنيا أعجب منه . وكان في جملة ذلك تاج كسرى وهو مكان بالجواهر النفيسة التي تحير الابصار ، ومنطقته كذلك وسيفه وسواره وقباؤه وبساط إيوانه ، وكان مربعا ستون ذراعا في مثلها ، من كل جانب ، والبساط ( 1 ) مثله سواء ، وهو مسنوج بالذهب واللآلئ والجواهر الثمينة ، وفيه مصور جميع ممالك كسرى ، بلاده بأنهارها وقلاعها ، وأقاليمها ، وكنوزها ، وصفة الزروع والأشجار التي في بلاده . فكان إذا جلس على كرسي مملكته ودخل تحت تاجه ، وتاجه معلق بسلاسل الذهب ، لأنه كان لا يستطيع أن يقله على رأسه لثقله ، بل كان يجئ فيجلس تحته ثم يدخل رأسه تحت التاج والسلاسل الذهب تحمله عنه ، وهو يستره حال لبسه فإذا رفع الحجاب عنه خرت له الامراء سجودا . وعليه المنطقة والسواران والسيف والقباء المرصع بالجواهر فينظر في البلدان واحدة واحدة ، فيسأل عنها ومن فيها من النواب ، وهل حدث فيها شئ من الاحداث ؟ فيخبره بذلك ولاة الأمور بين يديه . ثم ينتقل إلى الأخرى ، وهكذا حتى يسأل عن أحوال بلاده في كل وقت لا يهمل أمر المملكة ، وقد وضعوا هذا البساط بين يديه تذكارا له بشأن الممالك ، وهو إصلاح جيد منهم في أمر السياسة . فلما جاء قدر الله زالت تلك الأيدي عن تلك الممالك والأراضي وتسلمها المسلمون من أيديهم قسرا ، وكسروا شوكتهم عنها وأخذوها بأمر الله صافية ضافية ، ولله الحمد والمنة . وقد جعل سعد بن أبي وقاص على الاقباض عمرو بن عمرو بن مقرن فكان أول ما حصل ما كان في القصر الأبيض ومنازل كسرى ، وسائر دور المدائن ، وما كان بالايوان مما ذكرنا ، وما يفد من السرايا الذين في صحبة زهرة بن حوية ، وكان فيما رد زهرة بغل كان قد أدركه وغصبه من الفرس وكانت تحوطه بالسيوف فاستنقذه منهم وقال إن لهذا لشأنا فرده إلى الاقباض وإذا عليه سفطان فيهما ثياب كسرى وحليه . ولبسه الذي كان يلبسه على السرير كما ذكرنا ، وبغل آخر عليه تاجه الذي ذكرنا في سفطين أيضا ردا من الطريق مما استلبه أصحاب السرايا ، وكان فيما ردت السرايا أموال عظيمة وفيها أكثر إناث كسرى وأمتعته والأشياء النفيسة التي استصحبوها معهم ، فلحقهم المسلمون فاستلبوها منهم . ولم تقدر الفرس على حمل البساط لثقله عليهم ، ولا حمل الأموال لكثرتها . فإنه كان المسلمون يجيئون بعض تلك الدور فيجدون البيت

--> ( 1 ) وكان العرب يسمون البساط : القطف .