ابن كثير

62

البداية والنهاية

وقعة قنسرين لما فتح أبو عبيدة حمص بعث خالد بن الوليد إلى قنسرين ، فلما جاءها ثار إليه أهلها ومن عندهم من نصارى العرب ، فقاتلهم خالد فيها قتالا شديدا ، وقتل منهم خلقا كثيرا ، فأما من هناك من الروم فأبادهم وقتل أميرهم ميتاس ( 1 ) . وأما الاعراب فإنهم اعتذروا إليه بأن هذا القتال لم يكن عن رأينا فقبل منهم خالد وكف عنهم ثم خلص إلى البلد فتحصنوا فيه ، فقال لهم خالد إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا . ولم يزل بهم حتى فتحها الله عليه . ولله الحمد . فلما بلغ عمر ما صنعه خالد في هذه الوقعة قال يرحم الله أبا بكر ، كان أعلم بالرجال مني ، والله إني لم أعزله عن ريبة ولكن خشيت أن يوكل الناس إليه . وفي هذه السنة تقهقر هرقل بجنوده ، وارتحل عن بلاد الشام إلى بلاد الروم . هكذا ذكره ابن جرير عن محمد بن إسحاق : قال وقال سيف : كان ذلك في سنة ست عشرة ، قالوا : وكان هرقل كلما حج إلى بيت المقدس وخرج منها يقول عليك السلام يا سورية ، تسليم مودع لم يقض منك وطرا وهو عائد . فلما عزم على الرحيل من الشام وبلغ الرها ، طلب من أهلها أن يصحبوه إلى الروم ، فقالوا : إن بقاءنا هاهنا أنفع لك من رحيلنا معك ، فتركهم . فلما وصل إلى شمشان ( 2 ) وعلا على شرف هنالك التفت إلى نحو بيت المقدس وقال : عليك السلام يا سورية سلاما لا اجتماع بعده إلا أن أسلم عليك تسليم المفارق ، ولا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا حتى يولد المولود المشؤم ، ويا ليته لم يولد . ما أحلى فعله وأمر عاقبته على الروم ! ! ثم سار هرقل حتى نزل القسطنطينية واستقر بها ملكه ، وقد سأل رجلا ممن اتبعه كان قد أسر مع المسلمين ، فقال : أخبرني عن هؤلاء القوم ، فقال : أخبرك كأنك تنظر إليهم ، هم فرسان بالنهار ، رهبان بالليل ، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن ، ولا يدخلون إلا بسلام ، يقفون على من حاربوه حتى يأتوا عليه . فقال : لئن كنت صدقتني ليملكن ( 3 ) موضع قدمي هاتين . قلت وقد حاصر المسلمون قسطنطينية في زمان بني أمية فلم يملكوها ولكن سيملكها المسلمون في آخر الزمان كما سنبينه في كتاب الملاحم ، وذلك قبل خروج الدجال بقليل على ما صحت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره من الأئمة ولله الحمد والمنة . وقد حرم الله على الروم أن يملكوها بلاد الشام برمتها إلى آخر الدهر ، كما ثبت به الحديث في الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، وإذا هلك

--> ( 1 ) في الطبري : ميناس . ( 2 ) في الطبري : شمشاط . ( 3 ) في الطبري : ليرثن .