ابن كثير
284
البداية والنهاية
عانات فساروا فعبروا من هيت ثم لحقوا عليا - وقد سبقهم - فقال علي : مقدمتي تأتي من ورائي ؟ فاعتذروا إليه مما جرى لهم ، فعذرهم ثم قدمهم أمامه إلى معاوية بعد أن عبر الفرات فتلقاهم أبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي في مقدمة أهل الشام فتواقفوا ، ودعاهم زياد بن النضر أمير مقدمة أهل العراق ، إلى البيعة فلم يجيبوه بشئ فكتب إلى علي بذلك فبعث إليهم علي الأشتر النخعي أميرا ، وعلى ميمنته زياد ، وعلى ميسرته شريح ، وأمره أن لا يتقدم إليهم بقتال حتى يبدأوه بالقتال ، ولكن ليدعهم إلى البيعة مرة بعد مرة ، فإن امتنعوا فلا يقاتلهم حتى يقاتلوه ولا يقرب منهم قرب من يريد الحرب ، ولا يبتعد منهم ابتعاد من يهاب الرجال ( 1 ) ، ولكن صابرهم حتى آتينك فأنا حثيث السير وراءك إن شاء الله ، فتحاجزوا يومهم ذلك ، فلما كان آخر النهار حمل عليهم أبو الأعور السلمي وبعث معه بكتاب الامارة على المقدمة مع الحارث بن جهمان الجعفي ، فلما قدم الأشتر على المقدمة امتثل ما أمره به علي ، فتواقف هو ومقدمة معاوية وعليها أبو الأعور السلمي فثبتوا له واصطبروا لهم ساعة ثم انصرف أهل الشام عند المساء ، فلما كان الغد تواقفوا أيضا وتصابروا فحمل الأشتر فقتل عبد الله بن المنذر التنوخي - وكان من فرسان أهل الشام - قتله رجل من أهل العراق يقال له ظبيان بن عمارة التميمي ، فعند ذلك حمل عليهم أبو الأعور بمن معه ، فتقدموا إليهم وطلب الأشتر من أبي الأعور أن يبارزه فلم يجبه أبو الأعور إلى ذلك ، وكأنه رآه غير كفء له في ذلك والله أعلم . وتحاجز القوم عن القتال عند إقبال الليل من اليوم الثاني ، فلما كان صباح اليوم الثالث أقبل علي رضي الله عنه في جيوشه ، وجاء معاوية رضي الله عنه في جنوده ، فتواجه الفريقان وتقابل الطائفتان فبالله المستعان ، فتواقفوا طويلا . وذلك بمكان يقال له : صفين وذلك في أوائل ذي الحجة ، ثم عدل علي رضي الله عنه فارتاد لجيشه منزلا ، وقد كان معاوية سبق بجيشه فنزلوا على مشرعة الماء في أسهل موضع وأفسحه ، فلما نزل علي نزل بعيدا من الماء ، وجاء سرعان أهل العراق ليردوا من الماء فمنعهم أهل الشام ، فوقع بينهم مقاتلة بسبب ذلك ، وقد كان معاوية وكل على الشريعة أبا الأعور السلمي ، وليس هناك مشرعة سواها ، فعطش أصحاب علي عطشا شديدا فبعث علي الأشعث بن قيس الكندي في جماعة ليصلوا إلى الماء فمنعهم أولئك وقال : موتوا عطشا كما منعتم عثمان الماء ، فتراموا بالنبل ساعة ، ثم تطاعنوا بالرماح أخرى ، ثم تقاتلوا بالسيوف بعد ذلك كله ، وأمد كل طائفة أهلها ، حتى جاء الأشتر النخعي من ناحية العراقيين وعمرو بن العاص من ناحية الشاميين ، واشتدت الحرب بينهم أكثر مما كانت ، وقد قال رجل من أهل العراق - وهو عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزدي - وهو يقاتل : خلوا لنا ماء الفرات الجاري * أو أثبتوا بجحفل جرار لكل قرم مشرب تيار ( 2 ) * مطاعن برمحه كرار
--> ( 1 ) في الطبري : البأس . ( 2 ) في الطبري والكامل : لكل قرم مستميت شاري .