ابن كثير

285

البداية والنهاية

* ضراب هامات العدى مغوار * ( 1 ) ثم ما زال أهل العراق يكشفون الشاميين عن الماء حتى أزاحوهم عنه وخلوا بينهم وبينه ، ثم اصطلحوا على الورود حتى صاروا يزدحمون في تلك الشريعة لا يكلم أحد أحدا ، ولا يؤذي إنسان إنسانا . وفي رواية أن معاوية لما أمر أبا الأعور بحفظ الشريعة وقف دونها برماح مشرعة ، وسيوف مسللة ، وسهام مفرقة ، وقسي موترة ، فجاء أصحاب علي عليا فشكوا إليه ذلك فبعث صعصعة بن صوحان إلى معاوية يقول له : إنا جئنا كافين عن قتالكم حتى نقيم عليكم الحجة ، فبعثت إلينا مقدمتك فقاتلتنا قبل أن نبدأكم ، ثم هذه أخرى قد منعونا الماء ، فلما بلغه ذلك قال معاوية للقوم : ماذا يريدون ؟ فقال عمرو خل بينهم وبينه ، فليس من النصف أن نكون ريانين وهم عطاش ، وقال الوليد : دعهم يذوقوا من العطش ما أذاقوا أمير المؤمنين عثمان حين حصروه في داره ، ومنعوه طيب الماء والطعام أربعين صباحا ، وقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح ( 2 ) : أمنعهم الماء إلى الليل فلعلهم يرجعون إلى بلادهم . فسكت معاوية فقال له صعصعة بن صوحان : ماذا جوابك ؟ فقال : سيأتيكم رأيي بعد هذا ، فلما رجع صعصعة فأخبر ركب الخيل والرجال ، فما زالوا حتى أزاحوهم عن الماء ووردوه قهرا ، ثم اصطلحوا فيما بينهم على ورود الماء ، ولا يمنع أحد أحدا منه . وأقام على يومين لا يكاتب معاوية ولا يكاتبه معاوية ، ثم دعا علي بشير بن عمرو الأنصاري وسعيد بن قيس الهمداني وشبيث بن ربعي السهمي فقال : إيتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة والجماعة واسمعوا ما يقول لكم ، فلما دخلوا على معاوية قال له بشير بن عمرو : يا معاوية ! إن الدنيا عنك زائلة ، وإنك راجع إلى الآخرة ، والله محاسبك بعملك ، ومجازيك بما قدمت يداك ، وإني أنشدك الله أن تفرق جماعة هذه الأمة ، وأن تسفك دماءها بينها . فقال له معاوية هلا أوصيت بذلك صاحبكم ؟ فقال له : إن صاحبي أحق هذه البرية بالامر في فضله ودينه وسابقته وقرابته ، وإنه يدعوك إلى مبايعته فإنه أسلم لك في دنياك ، وخير لك في آخرتك . فقال معاوية : ويطل دم عثمان ؟ لا والله لا أفعل ذلك أبدا ، ثم أراد سعيد بن قيس الهمداني أن يتكلم فبدره شبيث بن ربعي فتكلم قبله بكلام فيه غلظة وجفاء في حق معاوية ، فزجره معاوية وزبره في افتياته على من هو أشرف منه ، وكلامه بما لا علم له به ، ثم أمر بهم فأخرجوا من بين يديه ، وصمم على القيام بطلب دم عثمان الذي قتل مظلوما ، فعند ذلك نشبت الحرب بينهم ، وأمر علي بالطلائع والامراء أن تتقدم للحرب ، وجعل علي يؤمر على كل قوم من الحرب أميرا ، فمن أمرائه على الحرب الأشتر النخعي - وهو أكبر من كان يخرج

--> ( 1 ) زاد الكامل شطرا : لم يخش غير الواحد القهار ، ( 2 ) قيل أن الوليد بن عقبة وعبد الله بن أبي سرح لم يشهدا صفين . أما الطبري والاخبار الطوال والإصابة فقد ذكروا أنهما شهدا صفين .