ابن كثير

273

البداية والنهاية

والله ما أرى إلا حميراء ، فقالت : هتك الله سترك وقطع يدك وأبدى عورتك . فقتل بالبصرة وسلب وقطعت يده ورمي عريانا في خربة من خرابات الأزد . فلما كان الليل دخلت أم المؤمنين البصرة - ومعها أخوها محمد بن أبي بكر - فنزلت في دار عبد الله بن خلف الخزاعي وهي أعظم دار بالبصرة - على صفية بنت الحارث بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ، وهي أم طلحة الطلحات عبد الله بن خلف ، وتسلل الجرحى من بين القتلى فدخلوا البصرة ، وقد طاف علي بين القتلى فجعل كلما مر برجل يعرفه ترحم عليه ويقول : يعز علي أن أرى قريشا صرعى . وقد مر على ما ذكر على طلحة بن عبيد الله وهو مقتول فقال : لهفي عليك يا أبا محمد ، إنا لله وإنا إليه راجعون والله لقد كنت كما قال الشاعر : فتى كان يدنيه الغنى من صديقه * إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر وأقام علي بظاهر البصرة ثلاثا ثم صلى على القتلى من الفريقين ، وخص قريش بصلاة من بينهم ، ثم جمع ما وجد لأصحاب عائشة في المعسكر وأمر به أن يحمل إلى مسجد البصرة ، فمن عرف شيئا هو لأهلهم فليأخذه ، إلا سلاحا كان في الخزائن عليه سمة السلطان . وكان مجموع من قتل يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف ( 1 ) ، خمسة من هؤلاء وخمسة من هؤلاء ، رحمهم الله ورضي عن الصحابة منهم . وقد سأل بعض أصحاب علي عليا أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة والزبير ، فأبى عليهم فطعن فيه السبائية وقالوا : كيف يحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا أموالهم ؟ فبلغ ذلك عليا فقال : أيكم يحب أن تصير أم المؤمنين في سهمه ؟ فسكت القوم ، ولهذا لما دخل البصرة فض في أصحابه أموال بيت المال ، فنال كل رجل منهم خمسمائة ، وقال : لكم مثلها من الشام ، فتكلم فيه السبائية أيضا ونالوا منه من وراء وراء . فصل ولما فرغ علي من أمر الجمل أتاه وجوه الناس يسلمون عليه ، فكان ممن جاءه الأحنف بن قيس في بني سعد - وكانوا قد اعتزلوا القتال - فقال له علي : تربعت - يعني بنا - فقال : ما كنت أراني إلا قد أحسنت ، وبأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين ، فارفق فإن طريقك الذي سلكت بعيد ، وأنت إلي غدا أحوج منك أمس ، فاعرف إحساني ، واستبق موتي لغد ، ولا تقل مثل هذا فإني لم أزل لك ناصحا . قالوا : ثم دخل علي البصرة يوم الاثنين فبايعه أهلها على راياتهم ، حتى الجرحى والمستأمنة . وجاءه عبد الرحمن ن بن أبي بكرة الثقفي فبايعه فقال له علي : أين المريض ؟ - يعني أباه - فقال : إنه والله مريض يا أمير المؤمنين ، وإنه على مسرتك لحريص . فقال : امش

--> ( 1 ) في مروج الذهب 2 / 387 و 410 ثلاثة عشر ألفا ، من أصحاب علي قتل خمسة آلاف . وفي فتوح ابن الأعثم 2 / 342 : قتل من أصحابه ( علي ) ألف رجل وسبعون رجلا ( ومن أصحاب عائشة ) فقتل من الأزد أربعة الآلف رجل ، ومن بني ضبة ألف رجل ومن بني ناجية أربعمائة رجل ، ومن بني عدي ومواليهم تسعون رجلا ، ومن بني بكر بن وائل ثمانمائة رجل ومن بني حنظلة سبعمائة رجل ومن سائر أخلاط الناس تسعة آلاف رجل .