ابن كثير

274

البداية والنهاية

أمامي ، فمضى إليه فعاده ، واعتذر إليه أبو بكرة فعذره ، وعرض عليه البصرة فامتنع وقال : رجل من أهلك يسكن إليه الناس ، وأشار عليه بابن عباس فولاه على البصرة ، وجعل معه زياد بن أبيه على الخراج وبيت المال ، وأمر ابن عباس أن يسمع من زياد وكان زياد معتزلا - ثم جاء علي إلى الدار التي فيها أم المؤمنين عائشة ، فاستأذن ودخل فسلم عليها ورحبت به ، وإذا النساء في دار بني خلف يبكين على من قتل ، منهم عبد الله وعثمان ابنا خلف ، فعبد الله قتل مع عائشة ، وعثمان قتل مع علي ، فلما دخل علي قالت له صفية امرأة عبد الله ، أم طلحة الطلحات : أيتم الله منك أولادك كما أيتمت أولادي ، فلم يرد عليها علي شيئا ، فلما خرج أعادت عليه المقالة أيضا فسكت ، فقال له رجل : يا أمير المؤمنين أتسكت عن هذه المرأة وهي تقول ما تسمع ؟ فقال : ويحك ! إنا أمرنا أن نكف عن النساء وهن مشركات ، أفلا نكف عنهن وهن مسلمات ؟ فقال له رجل : يا أمير المؤمنين إن على الباب رجلين ينالان من عائشة ، فأمر علي القعقاع بن عمرو أن يجلد كل واحد منهما مائة وأن يخرجهما من ثيابهما ( 1 ) ، وقد سألت عائشة عمن قتل معها من المسلمين ومن قتل من عسكر علي ، فجعلت كلما ذكر لها واحد منهم ترحمت عليه ودعت له ، ولما أرادت أم المؤمنين عائشة الخروج من البصرة بعث إليها علي رضي الله عنه بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك ، وأذن لمن نجا ممن جاء في الجيش معها أن يرجع إلا أن يحب المقام ، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات ، وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر ، فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء علي فوقف على الباب وحضر الناس وخرجت من الدار في الهودج فودعت الناس ودعت لهم ، وقالت : يا بني لا يعتب بعضنا على بعض ، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القدم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها ، وإنه على معتبتي لمن الأخيار . فقال علي : صدقت والله كان بيني وبينها إلا ذاك ، وإنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة . وسار علي معها مودعا ومشيعا أميالا ، وسرح بنيه معها بقية ذلك اليوم - وكان يوم السبت مستهل رجب سنة ست وثلاثين - وقصدت في مسيرها ذلك إلى مكة فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذلك ثم رجعت إلى المدينة رضي الله عنها . وأما مروان بن الحكم فإنه لما فر استجار بمالك بن مسمع فأجاره ووفى له ، ولهذا كان بنو مروان يكرمون مالكا ويشرفونه ، ويقال إنه نزل دار بني خلف فلما خرجت عائشة خرج معها ، فلما سارت هي إلى مكة سار إلى المدينة قالوا : وقد علم من بين مكة والمدينة والبصرة بالوقعة يوم الوقعة ، وذلك مما كانت النسور تخطفه من الأيدي والاقدام فيسقط منها هنالك ، حتى أن أهل المدينة علموا بذلك يوم الجمل قبل أن تغرب الشمس ، وذلك أن نسرا مر بهم ومعه شئ فسقط فإذا هو كف فيه خاتم نقشه عبد الرحمن بن عتاب .

--> ( 1 ) في الطبري 5 / 223 وهما من أزد الكوفة يقال لهما عجل وسعد ابنا عبد الله .