ابن كثير
193
البداية والنهاية
ولا يتمادى في الهلكة ، إن من تمادى في الجور كان أبعد عن الطريق " فأنا أول من اتعظ ، أستغفر الله مما فعلت وأتوب ، فمثلي نزع وتاب ، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم ( 1 ) ، فوالله لأكونن كالمرقوق إن ملك صبر ، وإن عتق شكر ، وما عن الله مذهب إلا إليه . قال : فرق الناس له وبكى من بكى ، وقام إليه سعيد بن زيد فقال : يا أمير المؤمنين ! الله الله في نفسك ! فأتمم على ما قلت . فلما انصرف عثمان إلى منزله وجد به جماعة من أكابر الناس ، وجاءه مروان بن الحكم فقال : أتكلم يا أمير المؤمنين أم أصمت ؟ فقالت امرأة عثمان - نائلة بنت الفرافصة الكلبية - من وراء الحجاب : بل اصمت ، فوالله إنهم لقاتلوه ، ولقد قال مقالة لا ينبغي النزوع عنها . فقال لها : وما أنت وذاك ! فوالله لقد مات أبوك وما يحسن أن يتوضأ . فقالت له : دع ذكر الاباء ، ونالت من أبيه الحكم ، فأعرض عنها مروان . وقال لعثمان : يا أمير المؤمنين أتكلم أم أصمت ؟ فقال له عثمان : بل تكلم ، فقال مروان : بأبي أنت وأمي ، لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممنع منيع ، فكنت أول من رضي بها وأعان عليها ، ولكنك قلت ما قلت حين جاوز الحزام الطبيين ، وبلغ السيل الزبا ، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل ، والله لإقامة على خطيئة يستغفر منها ، خير من توبة خوف عليها ، وإنك لو شئت لعزمت التوبة ولم تقرر لنا بالخطيئة ، وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس . فقال عثمان : قم فأخرج إليهم فكلمهم ، فإني أستحي أن أكلمهم ، قال : فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضا ، فقال : ما شأنكم كأنكم قد جئتم لنهب ، شاهت الوجوه كل إنسان آخذ بإذن صاحبه ألا من أريد ( 2 ) جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا ، أخرجوا عنا ، أما والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم أمر يسؤكم ولا تحمدوا غبه ، ارجعوا إلى منازلكم ، فوالله ما نحن مغلوبين على ما بأيدنا ، قال فرجع الناس ، وخرج بعضهم حتى أتى عليا فأخبره الخبر ، فجاء علي مغضبا حتى دخل على عثمان . فقال : أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحويلك عن دينك وعقلك ؟ ! وإن مثلك مثل جمل الظعينة سار حيث يسار به ، والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه ، وأيم الله إني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك ، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك ، أذهبت سوقك ( 3 ) ، وغلبت على أمرك . فلما خرج علي دخلت نائلة على عثمان فقالت : أتكلم أو أسكت ؟ فقال : تكلمي ، فقالت : سمعت قول علي أنه ليس يعاودك ، وقد أطعت مروان حيث شاء ، قال : فما أصنع ؟ قالت : تتقي الله وحده لا شريك له ، وتتبع سنة صاحبيك من قبلك ، فإنك متى أطعت مروان قتلك ، ومروان
--> ( 1 ) في الكامل : أشرافكم فليروا في رأيهم . وفي الطبري ، فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم فوالله لئن ردني الحق عبدا لأستنن بسنة العبد ولأذلن ذل العبد . . . 5 / 111 والكامل 3 / 164 . ( 2 ) في الطبري كالأصل ، وفي ابن الأثير : شاهت الوجوه ألا من أريد ؟ ( 3 ) في الطبري : شرفك وفي الكامل : أذهبت شرفك وغلبت على رأيك .