ابن كثير

185

البداية والنهاية

البشرة ، أعين أهدب الأشفار ، أقنى ، له جمة ، ضخم الكفين ، غليظ الأصابع ، لا يغير شيبه رضي الله عنه . أبو ذر الغفاري واسمه جندب بن جنادة على المشهور ، أسلم قديما بمكة فكان رابع أربعة أو خامس خمسة . وقصة إسلامه تقدمت قبل الهجرة ، وهو أول من حيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحية الاسلام ، ثم رجع إلى بلاده وقومه ، فكان هناك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فهاجر بعد الخندق ثم لزم رسول الله صلى الله عليه وسلم حضرا وسفرا ، وروى عنه أحاديث كثيرة ، وجاء في فضله أحاديث كثيرة ، من أشهرها ما رواه الأعمش ، عن أبي اليقظان عثمان بن عمير ، عن أبي حرب بن أبي الأسود ، عن عبد الله بن عمرو : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ما أظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر " وفيه ضعف . ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات أبو بكر خرج إلى الشام فكان فيه حتى وقع بينه وبين معاوية فاستقدمه عثمان إلى المدينة ، ثم نزل الربذة فأقام بها حتى مات في ذي الحجة من هذه السنة ، وليس عنده سوى امرأته وأولاده ، فبينما هم كذلك لا يقدرون على دفنه إذ قدم عبد الله بن مسعود من العراق في جماعة من أصحابه ، فحضروا موته ، وأوصاهم كيف يفعلون به ، وقيل قدموا بعد وفاته فولوا غسله ودفنه ، وكان قد أمر أهله أن يطبخوا لهم شاة من غنمه ليأكلوه بعد الموت ، وقد أرسل عثمان بن عفان إلى أهله فضمهم مع أهله . ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين فيها كان فتح قبرص ( 1 ) في قول أبي معشر ، وخالفه الجمهور فذكروها قبل ذلك كما تقدم ، وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح إفريقية ثانية ، حين نقض أهلها العهد . وفيها سير أمير المؤمنين جماعة من قراء أهل الكوفة إلى الشام ، وكان سبب ذلك أنهم تكلموا بكلام قبيح في مجلس سعيد بن عامر ، فكتب إلى عثمان في أمرهم ، فكتب إليه عثمان أن يجليهم عن بلده إلى الشام ، وكتب عثمان إلى معاوية أمير الشام أنه قد أخرج إليك قراء من أهل الكوفة فأنزلهم وأكرمهم وتألفهم . فلما قدموا أنزلهم معاوية وأكرمهم واجتمع بهم ووعظهم ونصحهم فيما يعتمدونه من اتباع الجماعة وترك الانفراد والابتعاد ، فأجاب متكلمهم والمترجم عنهم بكلام فيه بشاعة وشناعة ، فاحتملهم معاوية لحلمه ، وأخذ في مدح قريش - وكانوا قد نالوا منهم - وأخذ في المدح لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والثناء عليه ، والصلاة والتسليم . وافتخر معاوية بوالده وشرفه في قومه ، وقال فيما قال : وأظن أبا سفيان لو ولد الناس كلهم لم يلد إلا حازما ، فقال له صعصعة بن صوحان : كذبت ، قد

--> ( 1 ) في معظم المراجع العربية والاسلامية وردت قبرس فيها بالسين لا بالصاد .