ابن كثير
186
البداية والنهاية
ولد الناس كلهم لمن هو خير من أبي سفيان من خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا له ، فكان فيهم البر والفاجر ، والأحمق والكيس . ثم بذل لهم النصح مرة أخرى فإذا هم يتمادون في غيهم ، ويستمرون على جهالتهم وحماقتهم ، فعند ذلك أخرجهم من بلده ونفاهم عن الشام ، لئلا يشوشوا عقول الطغام ، وذلك أنه كان يشتمل مطاوي كلامهم على القدح في قريش كونهم فرطوا وضيعوا ما يجب عليهم من القيام فيه ، من نصرة الدين وقمع المفسدين . وإنما يريدون بهذا التنقيص والعيب ورجم الغيب ، وكانوا يشتمون عثمان وسعيد بن العاص ، وكانوا عشرة ، وقيل تسعة وهو الأشبه ، منهم كميل بن زياد ، والأشتر النخعي - واسمه مالك بن يزيد - وعلقمة بن قيس النخعيان ، وثابت بن قيس النخعي ، وجندب بن زهير العامري ، وجندب بن كعب الأزدي ، وعروة بن الجعد وعمرو بن الحمق الخزاعي ( 1 ) . فلما خرجوا من دمشق أووا إلى الجزيرة فاجتمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد - وكان نائبا على الجزيرة . ثم ولى حمص بعد ذلك - فهددهم وتوعدهم ، فاعتذروا إليه وأنابوا إلى الاقلاع عما كانوا عليه ، فدعا لهم وسير مالكا الأشتر النخعي إلى عثمان بن عفان ليعتذر إليه عن أصحابه بين يديه ، فقيل ذلك منهم وكف عنهم وخيرهم أن يقيموا حيث أحبوا ، فاختاروا أن يكونوا في معاملة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فقدموا عليه حمص ، فأمرهم بالمقام بالساحل ، وأجرى عليهم الرزق . ويقال بل لما مقتهم معاوية كتب فيهم إلى عثمان فجاءه كتاب عثمان أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة ، فردهم إليه ، فلما رجعوا كانوا أزلق ألسنة ، وأكثر شرا ، فضج منهم سعيد بن العاص إلى عثمان ، فأمره أن يسيرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص ، وأن يلزموا الدروب . وفي هذه السنة سير عثمان بعض أهل البصرة منها إلى الشام ، وإلى مصر بأسباب مسوغة لما فعله رضي الله عنه ، فكان هؤلاء ممن يؤلب عليه ويمالئ الأعداء في الحط والكلام فيه ، وهم الظالمون في ذلك ، وهو البار الراشد رضي الله عنه . وفي هذه السنة حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وتقبل الله منه . ثم دخلت سنة أربع وثلاثين قال أبو معشر : فيها كانت وقعة الصواري ، والصحيح في قول غيره أنها كانت قبل ذلك كما تقدم . وفي هذه السنة تكاتب المنحرفون عن طاعة عثمان وكان جمهورهم من أهل الكوفة - وهم في معاملة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص منفيون عن الكوفة ، وثاروا على سعيد بن العاص
--> ( 1 ) في رواية الطبري 5 / 90 : مالك بن الحارث الأشتر ، وثابت بن قيس النخعي ، وكميل بن زياد النخعي ، وزيد بن صوحان العبدي ، وجندب بن زهير الغامدي ، وجندب بن كعب الأزدي وعروة بن الجعد وعمرو بن الحمق الخزاعي .