ابن كثير
164
البداية والنهاية
مع ابنه عبد الله أهل الشورى سوى طلحة فإنه كان غائبا ، فلما فرغ من شأن عمر جمعهم المقداد ابن الأسود في بيت المسور بن مخرمة ، وقيل في حجرة عائشة ، وقيل في بيت المال ، وقيل في بيت فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس ، والأول أشبه والله أعلم . فجلسوا في البيت وقام أبو طلحة يحجبهم ، وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا من وراء الباب فحصبهم سعد ابن أبي وقاص وطردهما وقال جئتما لتقولا حضرنا أمر الشورى ؟ رواه المدائني عن مشايخه والله أعلم بصحته . والمقصود أن القوم خلصوا من الناس في بيت يتشاورون في أمرهم ، فكثر القول ، وعلت الأصوات وقال أبو طلحة : إني كنت أظن أن تدافعوها ولم أكن أظن أن تنافسوها ، ثم صار الامر بعد حضور طلحة إلى أن فوض ثلاثة منهم ما لهم في ذلك إلى ثلاثة ، ففوض الزبير ما يستحقه من الامارة إلى علي ، وفوض سعد ماله في ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف ، وترك طلحة حقه إلى عثمان ابن عفان رضي الله عنه ، فقال عبد الرحمن لعلي وعثمان : أيكما يبرأ من هذا الامر فنفوض الامر إليه والله عليه والاسلام ليولين أفضل الرجلين الباقيين فأسكت الشيخان علي وعثمان ، فقال عبد الرحمن : إني أترك حقي من ذلك والله علي والاسلام أن أجتهد فأولي أولاكما بالحق ، فقالا نعم ! ثم خاطب كل واحد منهما بما فيه من الفضل ، وأخذ عليه العهد والميثاق لئن ولاه ليعدلن ولئن ولى عليه ليسمعن وليطيعن ، فقال كل منهما نعم ! ثم تفرقوا ، ويروى أن أهل الشورى جعلوا الامر إلى عبد الرحمن ليجتهد للمسلمين في أفضلهم ليوليه ، فيذكر أنه سأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى وغيرهم فلا يشير إلا بعثمان بن عفان ، حتى أنه قال لعلي : أرأيت إن لم أو لك بمن تشير به علي ؟ قال : بعثمان . وقال لعثمان : أرأيت إن لم أو لك بمن تشير به ؟ قال : بعلي بن أبي طالب . والظاهر أن هذا كان قبل أن ينحصر الامر في ثلاثة ، وينخلع عبد الرحمن منها لينظر الأفضل والله عليه والاسلام ليجتهدن في أفضل الرجلين فيوليه . ثم نهض عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤس الناس وأقيادهم جميعا وأشتاتا ، مثنى وفرادى ، ومجتمعين ، سرا وجهرا ، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن ، وحتى سأل الولدان في المكاتب ، وحتى سأل من يرد من الركبان والاعراب إلى المدينة ، في مدة ثلاثة أيام بلياليها ، فلم يجد اثنين يختلفان في تقدم عثمان بن عفان ، إلا ما ينقل عن عمار والمقداد أنهما أشارا بعلي بن أبي طالب ، ثم بايعا مع الناس على ما سنذكره ، فسعى في ذلك عبد الرحمن ثلاث أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم إلا صلاة ودعاء واستخارة ، وسؤالا من ذوي الرأي عنهم ، فلم يجد أحدا يعدل بعثمان بن عفان رضي الله عنه ، فلما كانت الليلة يسفر صباحها عن اليوم الرابع من موت عمر بن الخطاب جاء إلى منزل ابن أخته المسور بن مخرمة فقال : أنائم يا مسور ؟ والله لم أغتمض بكثير نوم منذ ثلاث ، اذهب فادع إلي عليا وعثمان قال المسور : فقلت بأيهما أبدأ ؟ فقال بأيهما شئت ، قال فذهبت إلى علي فقلت : أجب خالي ، فقال : أمرك أن تدعو معي أحدا ؟