ابن كثير

165

البداية والنهاية

قلت : نعم ! قال : من ؟ قلت : عثمان بن عفان ، قال : بأينا بدأ ؟ قلت لم يأمرني بذلك ، بل قال : ادعو لي أيهما شئت أولا ، فجئت إليك ، قال : فخرج معي فلما مررنا بدار عثمان بن عفان جلس علي حتى دخلت فوجدته يوتر مع الفجر ، فقال لي كما قال لي علي سواء ، ثم خرج فدخلت بها على خالي وهو قائم يصلي ، فلما انصرف أقبل على علي وعثمان فقال : إني قد سألت الناس عنكما فلم أجد أحدا يعدل بكما أحدا ، ثم أخذ العهد على كل منهما أيضا لئن ولاه ليعدلن ، ولئن ولى عليه ليسمعن وليطيعن ، ثم خرج بهما إلى المسجد وقد لبس عبد الرحمن العمامة التي عممه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتقلد سيفا ، وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين والأنصار ، ونودي في الناس عامة الصلاة جامعة ، فامتلأ المسجد حتى غص بالناس ، وتراص الناس وتراصوا حتى لم يبق لعثمان موضع يجلس إلا في أخريات الناس - وكان رجلا حييا رضي الله عنه - ثم صعد عبد الرحمن ابن عوف منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف وقوفا طويلا ، ودعا دعاء طويلا ، لم يسمعه الناس ثم تكلم فقال : أيها الناس ، إني سألتكم سرا وجهرا بأمانيكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما علي وإما عثمان ، فقم إلي يا علي ، فقام إليه تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بيده فقال : هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفعل أبي بكر وعمر ؟ قال : اللهم لا ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي ، قال فأرسل يده وقال : قم إلي يا عثمان ، فأخذ بيده فقال : هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفعل أبي بكر وعمر ؟ قال : اللهم نعم ! قال : فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال اللهم اسمع واشهد ، اللهم اسمع واشهد ، اللهم اسمع واشهد ، اللهم إني قد خلعت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان . قال وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر ، قال فقعد عبد الرحمن مقعد النبي صلى الله عليه وسلم وأجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية ، وجاء إليه الناس يبايعونه ، وبايعه علي بن أبي طالب أولا ، ويقال آخرا . وما يذكره كثير من المؤرخين كابن جرير وغيره عن رجال لا يعرفون أن عليا قال لعبد الرحمن خدعتني ، وإنك إنما وليته لأنه صهرك وليشاورك كل يوم في شأنه ، وأنه تلكأ حتى قال له عبد الرحمن * ( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه اجرا عظيما ) * . إلى غير ذلك من الاخبار المخالفة لما ثبت في الصحاح فهي مردودة على قائليها وناقليها . والله أعلم . والمظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة وأغبياء القصاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الاخبار وضعيفها ، ومستقيمها وسقيمها ، ومبادها وقويمها ، والله الموفق للصواب . وقد اختلف علماء السير في اليوم الذي بويع فيه لعثمان بن عفان رضي الله عنه ، فروى الواقدي عن شيوخه أنه بويع يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ، واستقبل بخلافته المحرم سنة أربع وعشرين ، وهذا غريب جدا . وقد روى الواقدي أيضا عن ابن جرير عن ابن أبي مليكة قال : بويع لعثمان بن عفان لعشر خلون من المحرم بعد مقتل عمر بثلاث ليال ، وهذا أغرب من الذي قبله ، وكذا روى سيف بن عمر عن عامر الشعبي أنه قال : اجتمع