ابن كثير
147
البداية والنهاية
- من الفرس والأكراد - عظيمة ، ودهم المسلمين منهم أمر عظيم وجمع كثير ، فرأى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في وقت من النهار ، وأنهم في صحراء وهناك جبل إن أسندوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد ، فنادى من الغد الصلاة جامعة ، حتى إذا كانت الساعة التي رأى أنهم اجتمعوا فيها ، خرج إلى الناس وصعد المنبر ، فخطب الناس وأخبرهم بصفة ما رأى ، ثم قال : يا سارية ، الجبل الجبل ، ثم أقبل عليهم وقال : إن لله جنودا ولعل بعضها أن يبلغهم . قال : ففعلوا ما قال عمر ، فنصرهم الله على عدوهم ، وفتحوا البلد . وذكر سيف في رواية أخرى عن شيوخه أن عمر بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ قال : يا سارية بن زنيم ، الجبل الجبل . فلجأ المسلمون إلى جبل هناك فلم يقدر العدو عليهم إلا من جهة واحدة فأظفرهم الله بهم ، وفتحوا البلد . وغنموا شيئا كثيرا ، فكان من جملة ذلك سفط من جوهر فاستوهبه سارية من المسلمين لعمر ، فلما وصل إليه مع الأخماس قدم الرسول بالخمس فوجد عمر قائما في يده عصا وهو يطعم المسلمين سماطهم ، فلما رآه عمر قال له : اجلس - ولم يعرفه - ، فجلس الرجل فأكل مع الناس ، فلما فرغوا انطلق عمر إلى منزله واتبعه الرجل ، فاستأذن فأذن له وإذا هو قد وضع له خبز وزيت وملح ، فقال : ادن فكل . فجلست فجعل يقول لامرأته : ألا تخرجين يا هذه فتأكلين ؟ فقالت : إني أسمع حس رجل عندك . فقال : أجل ، فقالت : لو أردت أن أبرز للرجال اشتريت لي غير هذه الكسوة . فقال : أو ما ترضين أن يقال أم كلثوم بنت علي وامرأة عمر . فقالت : ما أقل غناء ذلك عني . ثم قال للرجل : ادن فكل فلو كانت راضية لكان أطيب مما ترى . فأكلا فلما فرغا قال : أنا رسول سارية بن زنيم يا أمير المؤمنين . فقال : مرحبا وأهلا . ثم أدناه حتى مست ركبته ركبته ، ثم سأله عن المسلمين ، ثم سأله عن سارية بن زنيم ، فأخبره ثم ذكر له شأن السفط ( 1 ) من الجوهر فأبى أن يقبله وأمر برده إلى الجند . وقد سأل أهل المدينة رسول سارية عن الفتح فأخبرهم ، فسألوه : هل سمعوا صوتا يوم الوقعة ؟ قال : نعم ، سمعنا قائلا يقول : يا سارية الجبل ، وقد كدنا نهلك فلجأنا إليه ففتح الله علينا . ثم رواه سيف عن مجالد عن الشعبي بنحو هذا . وقال عبد الله بن وهب : عن يحيى بن أيوب ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر أن عمر وجه جيشا ورأس عليهم رجلا يقال له سارية ، قال : فبينما عمر يخطب فجعل ينادي : يا ساري الجبل يا ساري الجبل ثلاثا . ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر : فقال : يا أمير المؤمنين هزمنا فبينما نحن كذلك إذ سمعنا مناديا يا سارية الجبل ثلاثا فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله . قال : فقيل لعمر : إنك كنت تصيح بذلك . وهذا إسناد جيد حسن . وقال الواقدي : حدثني نافع بن أبي نعيم ، عن نافع مولى ابن عمر . أن عمر قال على
--> ( 1 ) في الطبري والكامل : الدرج ، والدرج هو السفط الصغير .